الكتابة فى أوقات الأزمات .. حين يتحول الألم إلى معنى
تحت رعاية الأستاذ الدكتور / علاء عبدالهادى ، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر ، والأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب .
اقامت النقابة الفرعية لاتحاد كتاب مصر بالشرقية والسويس وسيناء ، برئاسة الشاعر/ إبراهيم حامد ، ومجلس الإدارة الموقر .
فى أمسية أدبية استثنائية ، أقامت النقابة الفرعية ندوة ومائدة مستديرة حملت عنوان – الكتابة فى أوقات الأزمات – لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول علاقة الإبداع بالمعاناة ، وحول قدرة الكلمة على أن تكون شاهدًا ومقاومًا فى آنٍ واحد .
أدار اللقاء الشاعر الكبير نبيل مصيلحى نائب رئيس النقابة الفرعية ، باقتدار لافت ، حيث نسج خيوط الحوار برؤية واعية ، جمعت بين الخبرة الإبداعية والقدرة على إدارة تنوع الأصوات واختلاف التجارب .
استهلت الندوة بكلمة ترحيبية ألقاها الشاعر / السيد داود ، سكرتير النقابة الفرعية ، رحّب فيها بالحضور الكريم وضيوف النقابة ، مؤكدًا أهمية مثل هذه اللقاءات التي تفتح آفاقًا جديدة للحوار الثقافى ، ثم سلّم إدارة اللقاء للشاعر نبيل مصيلحى.
الذي قدّم بدوره الشاعر / إبراهيم حامد ، رئيس النقابة الفرعية ، والذي عبّر عن سعادته بهذا الحضور النوعى ، موجّهًا الشكر والتقدير للدكتور / DrAlaa Abdel Hadi ، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر ، على نجاح الجمعية العمومية ، مثمّنًا دور هيئة المكتب فى دعم الحركة الثقافية .
ثم انطلق مصيلحى فى طرحه من رؤية عميقة ، مؤكدًا أن الأزمة ليست كيانًا واحدًا ، بل تتعدد مستوياتها بين الإنسان والمؤسسة والوطن ، لكن المبدع – في جوهره – يظل مرآة ذاته ، يعكس مشاعره بصدق ، ويتسق مع وجدانه ، وأوضح أن المبدع يمر بأزمات اقتصادية ونفسية قد تعصف به ، لكنها في الوقت ذاته قد تصبح منبعًا للإبداع .
واستحضر نماذج مضيئة ، مثل الأديب عبدالحميد الديب ، صعلوك الأدب الذي حوّل فقره وحرمانه إلى مادة أدبية نابضة بالحياة ، وكذلك الشاعر أمل دنقل الذي صاغ من أزمته المرضية جمالًا شعريًا خالدًا ، وكتب رائعته – لا تصالح – فى لحظة تاريخية فارقة . كما أشار إلى تجربة الشاعر إبراهيم رضوان وقصيدته – مدد مدد – التى التحمت بالوجدان المصرى في أوقات الشدة .
وفى مداخلة ثرية ، تحدث الشاعر / السيد زكريا ، أمين صندوق النقابة ، مؤكدًا أن التفاعل مع الأزمات يختلف من مبدع إلى آخر ، مشيرًا إلى تجربته الشخصية التى تقوم على تأجيل الكتابة حتى تنضج التجربة داخله ، قائلًا إن النص الحقيقى لا يولد من الانفعال اللحظى ، بل من اكتمال الدورة الشعورية ، واستدعى تجربته مع القضية الفلسطينية ، حيث لم يكتب أثناء الانتفاضة الأولى، لكنه لاحقًا وجد نفسه غارقًا فى الكتابة عنها ، في لحظة وعى ومكاشفة .
وفى سؤال طرحه مصيلحي على الشاعر إبراهيم حامد حول تجربة الشاعر صلاح جاهين بعد نكسة 1967 ، أشار حامد إلى أن تلك المرحلة أحدثت خلخلة عميقة لدى كثير من المبدعين ، وكان جاهين من أكثرهم تأثرًا ، حيث دخل في حالة اكتئاب حادة ، ولجأ إلى كتابة أعمال غنائية خفيفة مثل – خلى بالك من زوزو – في محاولة لاستعادة توازنه النفسى .
وجاءت مداخلة الفنان والمخرج القدير / محمدعلى علي إسماعيل ، لتفتح نافذة على تجربة فنية حية ، حيث أكد أن موضوع الندوة جذبه بقوة ، لأن المبدع يتأثر بالأزمات أكثر من الإنسان العادى ، واستعاد ذكريات مرحلة النكسة ، حين شارك مع مجموعة من الفنانين – من بينهم الفنان أحمد زكى – فى تأسيس مسرح الطلائع ، مقدمين عروضًا مسرحية في محافظات الشرقية وبورسعيد والسويس ، حيث عايشوا معاناة المواطنين في أوقات التهجير .
وتحدث عن تجربته في الجيش ، حيث كان يوثق يومياته ، ويؤسس فرقة تمثيل داخل الكتيبة ، مؤكدًا أن الفن كان وسيلة للبقاء والمقاومة ، كما أشار إلى معاناة الفنان أحمد زكى فى بداياته ، حيث واجه سنوات طويلة من التحديات قبل أن يحقق نجاحه ، مؤكدًا أن من أكبر أزمات المبدع هى غياب التقدير فى حياته ، وأزمة اكتشاف المواهب ، إلى جانب ما تفرضه وسائل التواصل الاجتماعى من تهميش أحيانًا ،
وعاد الشاعر / السيد داود ، ليتحدث من زاوية إنسانية ، مؤكدًا أن الأزمات جزء أصيل من تجربة الإنسان ، لكنها بالنسبة له كانت دائمًا مصدر قوة ، مشيرًا إلى أنه مر بأزمات عديدة ، كان أشدها فقدان الأب ، ذلك السند الذي لا يُعوّض ، وقد انعكست هذه التجارب في قصائده التي قدّم منها نماذج مؤثرة .
أما الأديب / هيثم القليوبي ، فقد أضاف بعدًا آخر للنقاش ، حيث أشار إلى أهمية الانتقال من التجربة الذاتية إلى الهم الجمعى ، مستشهدًا بتجربة أمل دنقل ، وبأغنية – عدى النهار – للشاعر عبد الرحمن الأبنودى ، وما حملته من وعى جمعى عميق ، وكذلك الأغانى الوطنية التى شكّلت وجدان أجيال ، خاصة أعمال عبد الحليم حافظ . وأكد أن على المبدع أن يوظف الأزمات لتحويلها إلى أعمال فنية تحمل قيمة إنسانية ومجتمعية .
وتحدث الشاعر / أيمن سراج الدين ، عن الإبداع بوصفه لغة خاصة لا يمتلكها الجميع ، فالجميع يشعر لكن القليل فقط من يستطيع التعبير ، وأكد أن الأزمات قد تكون صادمة ومفاجئة ، وأن طرق التفاعل معها تختلف من مبدع لآخر ، فهناك من يكتب فى لحظتها ، وآخرون يحتاجون إلى مسافة زمنية لاستيعابها .
وفى مداخلة دافئة ، تحدث الشاعر / صلاح يوسف ، الذي وصفه مصيلحى بأنه شاعر بدرجة إنسان ، عن رحلته مع الكتابة منذ الثمانينيات ، وتجربته مع الأزمات الإنسانية التي انعكست في قصائده ، مستعيدًا لحظات الغياب والعودة ، قبل أن يلقى قصيدته المؤثرة أبويا والزمن اللي فات ، التي لامست وجدان الحضور .
كما قدّم المهندس / مصطفى كامل، أمين اللجنة الثقافية بحزب التجمع ، رؤية مختلفة مؤكدًا أنه ليس مبدعًا بالمعنى الفنى ، لكنه وثّق تجاربه الحياتية والسياسية في مذكرات ، معتبرًا أن التوثيق أيضًا شكل من أشكال مقاومة النسيان .
واختُتمت الندوة بكلمة للشاعر إبراهيم حامد ، لخّص فيها جوهر اللقاء قائلًا : في عز الأزمات ، لا يعود القلم مجرد أداة ، بل يصبح شاهدًا أو مقاومًا ، وان المعاناة تخلق شحنة شعورية من الألم والقلق والفقد ، لكنها تظل مادة خام ، الفارق بين من يعيش الألم ومن يعيد صياغته فنيًا ، أن الأول يشعر ، أما الثانى فيفهم ويشكّل ويحوّل ، فالمعاناة قد تكون الشرارة ، لكن الإبداع هو النار التي يعرف صاحبها كيف يبقيها مشتعلة دون أن تحرقه .
أمسية أكدت أن الكتابة ليست رفاهية ، بل ضرورة إنسانية ، وأن الأزمات رغم قسوتها قد تكون الطريق الأصدق نحو نصٍ أكثر عمقًا وصدقًا .
وذلك اليوم السبت الموافق 28 / 3 / 2026 م ، السابعة مساءً بمقر النقابة الفرعية بالزقازيق .
كل الشكر والتقدير لكل الحضور الكريم .
تحياتى وتحيات مجلس الإدارة
الشاعر / نبيل مصيلحى
الشاعر / السيد داود
الشاعر / السيد زكريا
الشاعر / رمضان فؤاد السيد وفا
محبتى وتقديرى
إبراهيم حامد

تعليقات