شامخ الشندويلي يكتب: التجربة الشعرية للشاعر الكبير بهاء الدين رمضان هى مشروع جمالي وفكري متكامل

شامخ الشندويلي يكتب: التجربة الشعرية للشاعر الكبير بهاء الدين رمضان هى مشروع جمالي وفكري متكامل
بهاء الدين رمضان شامخ الشندويلي

التجربة الشعرية للشاعر الكبير بهاء الدين رمضان هى مشروع جمالي وفكري متكامل، ينطلق من وعي حاد بجماليات التشكيل اللغوي والرمز التراثي والوطني.

حيث يتخذ الشاعر من القصيدة مسرحاً كبيراً تتصاعد فيه الأسئلة الوجودية والهموم القومية والوجدانية، فهو لا يقف عند حدود التعبير الانفعالي العابر، بل يبني نصاً ممتداً يتغذى على ثقافات متعددة غنية تثري التجربة وتفتح للمتلقي آفاقاً واسعة للتأويل.

ينتمي بهاء الدين رمضان إلى طليعة المبدعين الذين يمتلكون القدرة على تطويع التراث القرآني والأدبي والبيئي، ليصوغ منه نسيجاً عصرياً شديد التكثيف والشفافية، يبتعد فيه تماماً عن المباشرة والتقريرية، ويحتمي بلغة تتسم بالحرارة والدفء والإيحاء العالي.

حيث يمتلك الشاعر الصعيدي السوهاجي تجربة شعرية فريدة، يمتزج فيها جرف الصعيد المليء بالأصالة والشجن بلمسات المدرسة الغربية المحدثة، ليخلق نسيجًا شعريًا يبدو في ظاهره شرقي الجذور وفي روحه أوروبي المذاق. هذا المزج الفني ليس غريبًا على الأدب العربي المعاصر، فقد سار على هذا الدرب الكثير من كبار الشعراء المحدثين الذين استطاعوا فتح نوافذ جديدة للقصيدة العربية من خلال التأثر بالآداب الغربية.

يتسم الشعراء الذين ينتهجون هذا الطريق بمجموعة من الميزات الفنية والإبداعية التي تميز تجاربهم الغنائية والشعرية. من أبرز هذه الصفات الاعتماد على “الوحدة العضوية”، فالقصيدة لديهم ليست مجرد أبيات متفرقة ، بل هي كائن حي متكامل تتضافر فيه الأفكار والمشاعر من البداية حتى النهاية لخلق صورة درامية متماسكة.كما يتميز هؤلاء الشعراء بالعمق الرمزي والابتعاد عن المباشرة، حيث تحل الصورة الشعرية المركبة والرمز الشفاف محل التقريرية العادية، مما يعطي الكلمات ظلالاً وأبعادًا فلسفية متعددة تجعل القارئ أو المستمع شريكًا في اكتشاف المعنى. وتظهر في نصوصهم أيضًا نزعة إنسانية ذات أفق واسع، فتتجاوز القضايا المحلية المباشرة لتعبر عن صراعات الإنسان الأزلية مثل الوجود، والزمن، والغربة، والبحث عن الذات.

إلى جانب ذلك، تتجلى لديهم جرأة واضحة في التجديد الموسيقي والإيقاعي، إذ يتجاوزون الأشكال التقليدية البحتة نحو إيقاعات حرة مبتكرة تناسب حركة الشعور والتدفق الوجداني. وحين يلتقي هذا الحس الأوروبي بروافد البيئة الصعيدية الغنية كبيئة بهاء الدين رمضان، تكتسب المقطوعات الشعرية حرارة شمس الجنوب وصدق شجنه، ممتزجة برقة التشكيل الحديث وجماليات المدرسة الغربية، مما ينتج نصًا يتصف بالأصالة والحدثة في آن واحد.
يقول فى قصيدة : نبوءات
وألنا له الحديد ( سبأ / 10 )
شكِّل من الفولاذ خبزاً ،
ثم باغِت صهوة الريح المعاند
يستطيل الظل والأرق المعبأ بالتفاهات البريئة في المدى
هل يستعيد النهر دورته مع الغد
والعصافير التي حطت على النخل المعربِ
أم يحن إلى اشتهاءات التوجع والرحيل
ولهٌ معاند
يستحم بأغنيات السوسن المتوهجِ
وكهيئة الطير المهاجر سابغات في الفضا
ثم استدِر للنهرِ
لَملِم حزنَه الفضيَ والطميَ المبلل بالدموع
شكِّل من الفولاذِ سيفاً وانتظر ركض الجياد يثرن نقعاً
ضمني للطمي
والوطن المقدس في انشطاري
ضمني حتى يحين الموعد المرجو تحت سنابك الخيل .

تفتح هذه القصيدة أفقاً ملحمياً يتداخل فيه النص القرآني مع الموروث الملحمي العربي. ويستعير الشاعر الآيات الكريمة كمرجعيات رمزية لبناء أبعاد النص، حيث يتحول الحديد والفولاذ من مجرد معادن صماء إلى أدوات للتشكيل المقاوم ، فالشاعر يطوع الصلابة ليصنع منها خبزاً تارة وسيفاً تارة أخرى، في إشارة رمزية ذكية إلى التلازم بين حق الحياة (الخبز) وحق الدفاع عنها (السيف).

تنساب في القصيدة مفردات البيئة المصرية بأبعادها التاريخية والأسطورية، حيث يحضر “الطمي” و”النهر” كرمزين للخصوبة والبعث الحضاري وسط أرق محمل بتفاهات المدى.
ويقول فى قصيدته / وإذا البحار سجرت
( التكوير / 6 )
لهب . . لهب
غضب .. غضب
الحلم يعلوه التعب
……
البحر مسكون بنار الجرح
والزمن المقامر يستريح الطير فيه
والركب المسافر
والفراشات التي حطت على ضوء اللهب
محمومة كل الطيور
فتشتهي زمن البراءة
والفضا المنداح في غسق الدجى
هل يستعيد البحر زرقته فيتسع المدى
* زبد يراوغ حلم صياد عجوز *
حين استدار البحر عنا كان يعلم كل هاتيك العواقب
فاشتعل يا أيها البحر المهاجر واتئد
يا أيها البحر اشتعل غضباً
وكون من بقايا المد شكل الجزر ،
عرش في ثنايا الزهر رائحة الغضب
فالحلم يعلوه التعب
الحلم يعلوه التعب
وهكذا يتصاعد غضب النص عبر إيقاع متسارع (“لهب.. لهب، غضب.. غضب”)، ليتحول البحر إلى كائن حي متمرد ومهاجر، يتخذ من بقايا المد شكلاً للجزر، محولاً التعب الذي يعلو الحلم إلى قوة رافضة للهزيمة.
أما فى قصيدته لكل نبأ مستقر
وسوف تعلمون ( الأنعام / 67 )
فيعمق التناص مع شعر عنترة بن شداد (“أثني علي بما علمت…”)، حيث يمتزج صوت الشاعر بصوت الفارس القديم، يقول:

النبأ :
يوماً يجيء إليك مشغولاً بهذى السوسنات / الصافنات
وفي انفلات الجرحِ يغزل لحنه نبأ
على كرسيه جسد فهل .. ؟
الشمس داخلة بطور الانتهاء ،
وفوق جزع النخلة العجفاءِ
بعضٌ من صهيل الخيل طل وانصهار
تعب من الصبار والنار والبلد الحزين الجرح / مجدلا (1)
ثمار البرتقال إليك عائدة
فقومي وانفضي الحزن الطويل *
المستقر :
هذا دي والجمجمة ،
الأرض تأتي من هنا من رقصة الأسياف حين المعمعة
الأرض تأتي من هنا ، من صرخة الأبطال فوق الأدهم
……
كان الجواد يشاطر النار الجراحَ
يعاند الرمح المباغت والمدى
” طورً يعرض للطعانِ
وتارة يأوي إلى حصد القسي
عرمرم
فتخاله حين الطعان محملاً بالرعد
أو بالشهب
أو طيراً أبابيل ”
ينسل من فوق المدائن راكضاً
قد يدخل الوطن المقدس أو تخاصره الرياح
ـ أواه يا وطني الجريح ـ وتستطيل الجمجمة
ويقر سهم في لبان الأدهم
هذا دمي / هذا دمي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اليقـيــــن :
أثني علي بما علمت فغنني
سمح مخالقتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل
مر مذاقته كطعم العلقم
ــــــــــــــــ
وهكذا تتداخل دماء الذات مع تراب الوطن المقدس، ويمتد الجرح من عمق الصعيد إلى قرية “مجدلا” الفلسطينية، لتكون ثمار البرتقال العائدة إعلاناً صارخاً بأن الأمل والبعث يولد دائماً من رحم الانشطار والمواجهة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفى قصيدة (من دمك المسك) ، ينتقل الشاعر إلى فضاء وجداني شجي يتسم بالتكثيف العاطفي والبوح الشفاف. يستحضر الشاعر الحبيبة ليس فقط كأنثى، بل كرمز إكليل للبعث واكتمال النشيد الإنساني. يقول:
هنا في زمان الحكايا
تسكنني
مزعجةً
كعصفور جائع
كنورس ينفض ريشه في دمي
على شاطئ من اقحوان
وتؤرخ كالظل لشاعر ضائع
حزين
فتورق في قلبه تفاحة الغواية
أنا ما عدت أنا الذي غافل النادل
في مساء بهيم للبكاء
وما عدت مفردة للتوجع
تحت قطار جنوبي
محمل بالهزائم
والجثث السمراء
يتبوأ مقعده عند الموتى
وقرب الانتهاء
أنا ما عدت أنا
فتعالي واسكنيني
مزعجةً كعصفور جائع
كنورس ينفض ريشه
دمك المسك أغلى عندي من كل القصائد
لكنني كلما شممت قصيدة تنزف
قلت : أنت
فلا تبرحي الوقت
وامنحيني فرصة لاكتمال النشيد
ودورة أخرى للضوء
علّ الكائنات تجيء لكوخنا
حاملة أنداءها
وشاهدة على مقعدين لنا هناك
وكسرة خبز صغيرة لنا
وشموع سنوقدها بعد قليل
وجنون لفضاء عابر
فربما ينسج الصباح على معطفينا غروره
أو يطبع قبلة بين شفتينا
كناطحة سحاب
نسافر
مرة
مرتين
خطوة
أو خطوتين
وتمتد يد الكائنات لتنسجنا معا
وترتب أوجاعنا معا
وتشعل فينا الحرائق .
مزعجةٌ أنت
كعصفور جائع
كنورس ينفض ريشه في دمي
مزعجةٌ جدا
كقصيدة تنبت من دمك المسك
على تفاح الغواية.
وهكذا تتكرر الصورة المفتاحية (“مزعجة كعصفور جائع، كنورس ينفض ريشه في دمي”) لتؤكد أن هذا الإزعاج هو إزعاج إيجابي يوقظ الروح من سباتها ويستحثها على الخلق والتجدد.
يتبرأ الشاعر من ماضيه المهزوم الذي كان يبكي فيه مسلوب الإرادة تحت قطار الجنوب المحمل بالجثث والغربة، ويعلن قطيعة تامة مع مرارات الانكفاء القديم (“أنا ما عدت أنا”). تتشكل الحياة الجديدة في صورة كوخ بسيط يحوي كسرة خبز صغيرة وشموعاً تُوقد في عتمة الفضاء، حيث تتكاتف الكائنات الطبيعية لترتب أوجاع العاشقين وتنسج حياتهما من جديد. ينتهي النص بتأكيد أن القصيدة الحقيقية لا تُكتب بالحبر، بل تنبت من دم المحب المعطر بالمغفرة والنقاء فوق تفاح الغواية الأولى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفى قصيدة “الغياب” نجده يستعرض مرارة الاغتراب وفقدان الآخر، حيث يغدو الغياب معادلاً موضوعياً لخراب العالم وضمور المعنى. يقول:
كل شيء دونك ذاهب
واليمام عقيم
ونعناعة الصبح
يسكنها ـ في القيد ـ
ذبول حزين

أباعد بين خطوي هائم
وأدخل مدن الصفصاف
أفتش بين القرنفل والياسمين
وأنثر وجعي على أعتاب طيبة
ريثما ترجعين

كل شيء دونك ذاهب
والعبارات تنفض عني
غبار المعاني
ربكة طائر تعرى أمامك
كجرح نبي
طارده القوم آلاف السنين
كل شيء دونك ذاهب
وأنا ذاهب
للهزائم
لغبار كثيف
لعكاز ضل الطريق
لغربة أعمى في ليل دامس
لا يبين
كل شيء دونك
جرح
وزيف
وعار
فلا تتركيني وحيدا
كطائر ضل عش الصبا
ولا يستكين
كل شيء دونك ذاهب
إذ تغيبين
أتهجى .. رمل الوطن
فكل شيء في غياب الحبيبة أو الوطن يتجه نحو الفناء والعدم، حتى الطبيعة تفقد حيويتها، فاليمام يصبح عقيماً، ونعناعة الصبح يصيبها ذبول حزين داخل قيدها.
يمضي الشاعر هائماً بين مدن الصفصاف والقرنفل والياسمين، ويسكب وجعه على أعتاب “طيبة” في سفر استغفاري طالباً الشفاء والعودة. تتشكل صور الاغتراب عبر تشبيهات مريرة ومكثفة: “كجرح نبي طارده القوم”، “كعكاز ضل الطريق”، و”كغربة أعمى في ليل دامس”. يتحول الغياب هنا من مجرد تجربة عاطفية فردية إلى موقف وجودي شامل، حيث يغدو كل شيء دونه زيفاً وعاراً وجرحاً لا يلتئم، لتكون النهاية تهجئاً صبوراً لرمل الوطن كملاذ أخير للروح.
أما فى قصيدة ” ميدان المحطة” فيقدم الشاعر مشهداً سينمائياً وتصويرياً بالغ الدقة، يربط فيه بين المكان الإقليمي الخاص المتمثل في مدينة “طهطا” والرمز التنويري والفائل المتمثل في شخصية “رفاعة الطهطاوي”. تتجسد المحطة في القصيدة كبؤرة تتجمع فيها آلام الغربة والانتظار المحمل بأوجاع النسوة المنثورة على الأرصفة. يقول:
سيهاجر النزف امتداداً لي على كأس المسافة
لا البلاد تفض رغبتنا ،
ولا الريح استطالت
فوق حزن النسوة المنثور في “طهطا” قطار قادم في وحشة
والليل يطلق جرحه لـ “رفاعة الطهطاوي”
ويدخن السيجار مكتظاً برائحة النهاية
لا المدارات استكانت في الحذاء
ولا القصائد تستكين
لفرصة لدلالهن
قطار قادم ، ومهيأ للوهم
في رحم الشوارع
غافل وقته بين الحقائب جثة
ثم ابتدى هذا الضجيج .
ونلاحظ تدفق القطار في وحشة الليل ككائن وهمي يغافل وقته بين الحقائب ليحمل جثة الروح، بينما يجلس الشاعر محاصراً بدخان السيجار ورائحة النهاية. ينقلنا النص إلى أزمة المثقف المعاصر الممزق بين إرث التنوير والواقع الضاغط، حيث تتلاشى الرغبات ولا تستكين القصائد أمام الضجيج المتصاعد في رحم الشوارع، ليصوغ الشاعر مرارة الواقع الإنساني بأسلوب يدمج الشجن الفردي بوجع الجماعة.
وفى قصيدة “نـزف” نجد نافذة مفتوحة على العالم الداخلي للمبدع، ومسرحاً تتشابك فيه المؤثرات الخارجية مع الهواس المعرفي والفلسفي. يقول بهاء الدين رمضان:
مطر يخاط مسكني بعد الظهيرة
والعصافير التي انكفأت على جرح النوافذ
تنقر الحلم المضرج بالمدينة
والفضاء يئن تحتي راغباً نزف الشتاء
لربما تنصب روحي في الشوارع
ربما تشتاق دفء الورد
والشعر الحديث فأقرا :
“ابن الفارض .. المتواليات .. آية جيم .. الأبيض المتوسط .. مدينة بلا قلب ..
مفرداً بصيغة الجمع .. ليجف ريق البحر .. The Waste Land
ويبدأ الأسفلت يدخلني ، يعاتب شهوتي
حتى أطاردني مدى .. بين الكتابة والجنون .
وهكذا تبدأ القصيدة بمشهد حسي هادئ (مطر الظهيرة، نقر العصافير على جرح النوافذ)، سرعان ما يتحول إلى نزيف داخلي واشتعال روحي يطارد الشاعر بين أزقة المدينة.
تتضح الحداثة الفكرية عند الشاعر في الاستدعاء الواعي لروافده الأدبية والثقافية؛ حيث تتجاور المرجعية الصوفية المتمثلة في “ابن الفارض” مع أطروحات أدونيس في “مفرداً بصيغة الجمع”، وسوداوية تي إس إليوت في قصيدته الشهيرة “الأرض الخراب” (The Waste Land). إن تداخل الإسفلت مع الشهوة والجنون الإبداعي يعكس صراع الذات الشاعرة في محاولتها التوفيق بين الظمأ الروحي والتصوفي وبين قسوة المدينة الحديثة التي تبتلع الأحلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفى قصيدة “أبو القاسم ” يغوص بهاء في فضاءات العشق الصوفي، حيث يستحضر الشاعر شخصية “أبو القاسم” ليعيد رسم أبعاد الوجد الإنساني والروحي. تتحول المئذنة والناي إلى امتداد طبيعي للروح المشتاقة، وتتحول ساحة الذكر إلى انفجار شجي بالصوت والموسيقى والصهيل.يقول:
مدد يمد على امتداد الروح
مئذنة وناياً
في اكتمال العاشق الصوفي
يشعل ساحة الذكر انفجاراً
بالغناء وبالصهيل
يجيئني زغب الطيور
مدججاً بالنار والطمي المخثر
يبدأ الجسد النحيل دخانه بالأغنيات:
لو كان لي قلبان
لو كانت تشاطرني البنايات الجوى
لو كان
ل
و ..
وانظر كيف يتمايل الجسد النحيل في حلقة الذكر متحرراً من كثافته المادية، ليذوب في الدخان والأغنيات، مستدعياً التراث العاطفي الصوفي (“لو كان لي قلبان”). الشاعر يربط هنا بين الطمي المبلل وزغب الطيور وبين الانفجار الروحي، ليؤكد أن العشق هو الطاقة الوحيدة القادرة على منح الجسد الإنساني القدرة على الاتساع والحلول في البنايات والكون.
ـــــــــــــــــــــــــــ
ونختتم هذه المجموعة الجميلة بنص يحمل أبعاداً حكيمة ووجودية مستوحاة من قول الله تعالى: “يا أيها الإنسان إنك كادح”. حيث يضع الشاعر الإنسان أمام قدره الأزلي في الكدح والمعاندة والسعي الدؤوب، متخذاً من رسم البلاد على رمال البحر رمزاً للمثابرة والإصرار على بناء الحلم رغم هشاشة المادة وتماوج الأموج.
العارفون
يا أيها الإنسانُ إنك كادحٌ ومعاندٌ
فارسم بلادك من رمال البحر
حلماً ينتحي زمن التهجي والأغاني ..
يصطفي وطن الجنون ..
وطائر الصبح المبلل بالسحاب
يرش صدر الموج يشتم الندى
جسدٌ يشاكسُ في الفراغِ ويملأ البلد الجنوبيَّ اشتعالاً سوسناً
ومسافةً قزحيةً مسكونةً بالأمنيات
جسدٌ يناوش قلبه لغةَ القصائدِ والطيور
فيفتح العري المحمل بالمدى
والأرض ترجف تفتح البلد الذي ..
قد كان يعلن همه للقبرات
يا أيها الإنسان : أدمنت التسكع والرحيل
تحاور الطير المهاجر عن تراتيل المدى يوم الحصاد
وتسكب الأرض انكشافات له
والعارفين بجرح قلبك واشتعالة جمره
يا أيها الإنسان إنك كادح ومعاند
إنه نص يتنفس بروح الجنوب واشتعاله ، فالجسد يملأ البلد الجنوبي سوسناً ومسافات قزحية، ويناوش لغة الطيور والقصائد ليعلن همه للقبرات. تؤكد القصيدة أن “العارفين” هم أولئك الذين يدركون سر الجرح واشتعال الجمر، والذين يستطيعون رغم التسكع والرحيل الشاق أن يسكبوا الأرض انكشافات، ويحولوا الترتيل والكدح إلى موسم حصاد أبدي للأمل والحرية.
الحقيقة أن بهاء الدين يمتلك أدوات فنية عالية تظهر في عدة جوانب رئيسية:
منها التناص المركب وتوليد الدلالات: فهو يمتلك قدرة استثنائية على استدعاء النصوص القرآنية والشعر القديم (كعنترة) والأدب العالمي (كإليوت) والتصوف (كابن الفارض)، لا لمجرد الاستعراض المفهومي، بل لإعادة صهر هذه المرجعيات داخل تجرِبته الخاصة لتنتج معاني جديدة طازجة. وتتنقل مخيلة الشاعر بسلاسة من البيئة الصعيدية والمصرية المحلية (“طهطا”، “طيبة”، “الطمي”، “الجنوب”) إلى الهم القومي العربي (“مجدلا”)، وصولاً إلى الإنسان المطلق في كدحه وغربته، مما يعطي نصوصه حرارة وصدقاً يتجاوز أطر الزمان والمكان.
ومنها الرمز: حيث تتميز لغته بالابتعاد التام عن المباشرة، حيث يعتمد على الصورة المركبة التي تزاوج بين الحسي والمجرد؛ فتصبح الأفكار ذات ألوان وروائح وحركة (مثل “رائحة الغضب”، “نورس ينفض ريشه في دمي”، “قطار يتدخن السيجار”).
ومنها السيطرة الإيقاعية والتكثيف: حيث يعزف على أوزان التفعيلة بحرفية تتسع معها التفعيلات لتستوعب السرد والدراما والمحاورة دون خلل، مع قدرة لافتة على التكثيف والابتعاد عن الحشو والإنشائية.
الشاعر الكبير بهاء الدين رمضان يمثل صوتاً أصيلاً متبتلاً في محراب الكلمة، يجمع بحرفية بين كبرياء الشاعر العربي القديم وجسارة وحداثة المبدع المعاصر. وتجربته ليست مجرد نصوص منظومة، بل هي مشروع شعري متكامل يستمد قيمه من قدرته على ملامسة أوجاع الإنسان والوطن وإثارة الأسئلة الوجودية والجمالية الكبرى.وقصائده تتسم بالنضج الفني والعمق الروحي، وتعد نماذج راقية لقصيدة التفعيلة التي تتنفس بصلابة وتستوعب انكسارات الذات وطموحاتها، مما يجعله قامة إبداعية لها وزنها الخصيب وبصمتها الراسخة في مدونة الشعر العربي الحديث .