ماكرون يتحدى العاصفة: الرئيس الفرنسي يرفض الاستقالة ويهاجم معارضيه وسط أزمة سياسية خانقة
في لحظة تُوصف بأنها من أشد لحظات الاضطراب السياسي التي عرفتها فرنسا منذ عقود، خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن صمته رافضًا كل الدعوات المطالبة باستقالته، وموجّهًا انتقادات لاذعة إلى معارضيه الذين يتهمهم بـ”زعزعة استقرار البلاد”، وذلك في وقت تواجه فيه حكومته الجديدة خطر السقوط الوشيك تحت وطأة اقتراحين متتاليين لحجب الثقة قد يُطيحان بها قبل نهاية الأسبوع الجاري.
الأزمة السياسية الفرنسية بلغت ذروتها مع عجز حكومات الأقلية المتعاقبة عن تمرير ميزانيات تقشفية تهدف إلى تقليص العجز العام، وسط برلمان منقسم بين ثلاث كتل متناحرة: اليسار الراديكالي، واليمين المتطرف، والوسط الموالي لماكرون. وقد جعل هذا الانقسام المشهد السياسي الفرنسي أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وأفقد الحكومة قدرتها على المناورة التشريعية أو بناء تحالفات مستقرة.
ورغم تصاعد الأصوات المطالبة باستقالته أو الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة كحل وحيد للخروج من الأزمة، فإن ماكرون بدا أكثر تمسكًا بالسلطة من أي وقت مضى. فخلال وصوله إلى مصر اليوم الإثنين، للمشاركة في قمة شرم الشيخ للسلام الهادفة إلى إنهاء الحرب في غزة، ظهر الرئيس الفرنسي بموقف متحدٍ، رافضًا الضغوط ومؤكدًا أنه لن يغادر الإليزيه قبل نهاية ولايته الثانية في عام 2027.
وقال ماكرون للصحافيين في القاهرة بلهجة حازمة:
“أكرّس جهودي للحفاظ على الاستقرار، وسأواصل ذلك. لا تنسوا أن التفويض الذي منحه الشعب الفرنسي هو الخدمة ثم الخدمة ثم الخدمة. أنا هنا لأجيب على تساؤلات المواطن الفرنسي العادي، ولأدافع عن استقلال فرنسا. هذا هو جوهر الأمر، أما الباقي فهو من اختصاص الحكومة”.
وجاءت تصريحاته عقب خطوة مفاجئة تمثلت في إعادة تعيين سيباستيان لوكورنو رئيسًا للحكومة بعد استقالته قبل أيام، في محاولة لاحتواء الأزمة وإعادة ترتيب المشهد السياسي المنهك. وأعلن مكتب الإليزيه عن التشكيلة الحكومية الجديدة مساء الأحد، والتي احتفظ فيها عدد كبير من الوزراء بمناصبهم رغم وعود لوكورنو بتجديد الدماء وضمان “تنوع وتمثيل أوسع”.
لكن الرياح السياسية ما زالت عاتية، إذ قد تواجه الحكومة الجديدة تصويتًا على سحب الثقة يوم الخميس المقبل، بعد أن قدم كل من حزب فرنسا الأبية (أقصى اليسار) والتجمع الوطني (أقصى اليمين) اقتراحين متزامنين لإسقاطها. ويبدو المشهد البرلماني ضبابيًا، إذ لم يحسم الحزب الاشتراكي موقفه بعد، رغم أن دعمه سيكون حاسمًا لبقاء الحكومة على قيد الحياة السياسية.
ويطالب الاشتراكيون لوكورنو بإلغاء إصلاحات ماكرون المثيرة للجدل الخاصة برفع سن التقاعد، وفرض ضريبة استثنائية على المليارديرات، وهي مطالب يرفضها اليمين رفضًا قاطعًا، ما يزيد تعقيد الموقف ويجعل التصويت المقبل بمثابة اختبار مصيري.
ويُعد لوكورنو، الذي لم تتجاوز ولايته الأولى 27 يومًا فقط، أقصر رؤساء الوزراء عمرًا في تاريخ الجمهورية الخامسة. وقد لمح بنفسه إلى احتمال تقديم استقالة جديدة إذا فشل في تأمين أغلبية برلمانية تضمن له الاستمرار في منصبه، في وقت يرى فيه الفرنسيون أن بلادهم تتأرجح بين انسداد سياسي داخلي وتحديات اقتصادية واجتماعية متفاقمة.
ماكرون، الذي دخل الحياة السياسية كوجه إصلاحي في 2017، يجد نفسه اليوم في قلب عاصفة غير مسبوقة، يحاول أن يظهر بثوب رجل الدولة القادر على الصمود، لكنه في الواقع يواجه مأزقًا قد يحدد مصير رئاسته ومكانته في التاريخ الفرنسي الحديث.

تعليقات