أشرف قاسم يكتب:بين مشهدية الصورة واللغة المراوغة..قراءة في دواوين البيومي عوض الثلاثة:”سواحل هاربة ،أبي ، قمر من خمرها”
إن خصوصية النص الشعري عند “البيومي عوض” تكمن في تلك اللغة الطازجة البكر، وكيف يستطيع تطويعها لتلك الأشكال والتجارب التي يؤطر إياها بها؛ مما يعطي المشهد الشعري مذاقاً مختلفاً كل الاختلاف عن كل تجارب الجيل، وأعطته تميزاً وتفرداً.
التفاصيل الصغيرة هي الهاجس الأهم في قصيدة البيومي عوض، تلك التفاصيل التي تهب علاقته بقصيدته البريق الذي لا ينطفئ، إذ إنها تحمل في طياتها الكثير والكثير من احتمالات التأويل، إذ يتسع لها النص وتررحب رقعته ويتسع لأكثر من قراءة على حسب مفاتيح الشاعر التي يهب القارئ إياها:
أيها الفقراء الذين رموني
أصلي لكم فوق سجادة من عتاب
كيف بالله هنت
وكيف بداجية سرقوا سترتي وعيوني والمشتهى
وحقول الصهيل ؟
كيف كيف يداس الضحى ؟؟
فتذل ربا الياسمين وتنطفئ الروح
تنهشها ساعرات الأفول ؟ (1)
2 –
البعد الإنساني في تجربة البيومي عوض لا يقل بأي حال من الأحوال عن الأبعاد الأخرى للنص، بل إنه هو البعد الأوضح في تلك التجربة المتفردة:
يا بحر من بأجندة العام الجديد
يجيئنا . . إن الفصول معلقة !
ويقول : سيحوا في عيون الشمس
ثم تكلموا تجدوا الحدوس موثقة
هاتوا لكل العاشقين زنابقاً
فالكون لولا العشق ياما أحمقه! (2)
تراسل الحواس هو اللحن المشتهى لدى البيومي عوض، مما يعطي النص عمقاً واتساعاً وغرائبية أحياناً، ولذا يقف القارئ على أعتاب قصيدته، متردداً، أيلج أم يعود ؟ خشية أن لا تحمله لجج الماء فيغرق بين أمواجه المتلاطمة إن لم تمتد إليه يدُ طوقِ نجاة من ذوقه وثقافته التي لا بد أن تكون على مستوى النص المقروء! ذلك النص المراوغ، فإذا استطاع فك أزرار قميصه /النص/ غمره شعورٌ عميقٌ بالبهجة والدهشة في آنٍ.
حتى في لحظات إحباطاته وانكساراته وفقدان اليقين لا يشعرك نص البيومي عوض باليأس . . بل يعلو فوق كل هذا فيوقد شموعه بدلاً من أن يلعن الظلام !
الحب لديه قيمة عليا تدور في فلكها كل القيم الأخرى من عدل وتسامح ووفاء وإيثار، ولذا نراه يفرد ديواناً كاملاً لرثاء أبيه – في سابقة أحسب أنها الأولى في الشعر العربي – وفيه يغرد كطائر ليل حزين يناجي نجمة المستحيل التي لن يستطيع الإمساك بها أبداً، ولا حتى الوصول إليها :
لا تعطني خير الخزائن أعطني
عيني أبي عيناً أبي صحفٌ سماوية
لا تعطني الدنيا العريضة إنني
أزن السما بأبي أبي زنةُ الودادية
شرف الأبوة في أبي متكاملٌ
والله يرحمها انحناءات العبودية (3)
وفي هذا الديوان “أبي” يركز الشاعر كادره على تلك المشاهد التي تتضح بالأسى والألم استدعاءً منه لصورة الأب الراحل في مشاهد تجمع بين الآني والفلاش باك، في مناجاة تقطر أسى وحميمية:
حتى ترضى
سأسل دموعاً في البلوى
عتبى ! (4)
كما يتسم النص الشعري عند البيومي عوض بالرحابة الفنية متمكناً من عناصر تجربته من لغة وتصوير وخيال، مع الخروج بالنص من أسر القيود القديمة والقوالب الجاهزة؛ مما يعطي المتلقي الحرية في تأويل تلك النصوص التي تحمل وتحتمل أكثر من تأويل، على أن العلاقات الإنسانية هي الخيط الرفيع الذي يجمع شتات تلك الرؤى في تلاحم وتناغم مع الحياة والإنسان بإحساس الشاعر، وإدراك المفكر الذي يحاول فك طلاسم الوجود، من هنا نرى الموت حاضراً دائماً بجانب الحياة بل كل المتناقضات في محاولة دؤوب للبحث عن يقين، وكأنه يناهض بفنه الفناء والعجز مصوراً كل ذلك في لقطاتٍ متناثرة داخل نصه الشعري تحمل الكثير والكثير من الأبعاد والرؤى والدلالات حتى ليشعر القارئ العادي، بل وربما المتخصص أحياناً أن نص البيومي عوض نصٌ متعالٍ يقف أمامه المتلقي عاجزاً عن فك شفراته، كما يعترف هو :
أسرف القراء في شجب غموضي
وغنائي للحمامات ألا ابيضي
وبيضي
وغنائي للصبايا
والفساتين الجديدات
وقنديل مريض
أهدروا وجهي لأني – وأنا الحرف المصفى –
أفرض الآن فروضي !
وأرد المطر المنفي للأحضان والبرق والمهيض
ربما ألهو قليلاً
أضرب الجمر بخمرٍ
وأهاذي سنديانات النقيض
ربما
لكنني –من تعرف الأشجار –
صهريج السما
والعشب والتوق العريض
أهدروا وجهي
لأني قلت للشمس
استحمي بذراعي
وغسلت الشوق
في طست الوميض ! (5)
4-
تزخر نصوص البيومي عوض بالصور الشعرية المركبة وما يستتبع ذلك من مجاز واستعارة وتشبيه ليصير النص لديه مشهداً مصوراً لا مكتوباً مع المحافظة على الإيقاع الشعري للنص مما أعطى النص أبعاداً أرحب من التشكيل والدلالة:
يا أُصيحابي النشاوي
هل تصورتم تحاريق الجمال ؟
لا تقاتلني صديقي
كم برمح اللون من نزف غزال
كم بفص النور من ذوب جبال
لا تقاتلني صديقي
آهتي الغامضة التي حيرت الوعي وقلبي
هي تيهٌ غجريٌ قتلك
لا تقاتلني صديقي
إن هذا الكون: نصف مشمس
نصف حلك
وأنا في فرن روحي لا أُبالي
رضي العالم
أم أفتى عفيفاً باغتيالي !..! (6)
5-
كما يمثل الحس الصوفي ملمحاً مؤثراً – بل هو أحد أهم أركان تجربة البيومي عوض – ومرجع ذلك إلى إيمان الشاعر بأن “الصوفية هم أول من أشار إلى أن التجربة الروحية شبيهة بالرحلة، وهم الذين جعلوا من سعيهم وراء الحقيقة سفراً مضنياً مليئاً بالمفاجآت والمخاوف في طريق موحش طويل، قد ينتهي بسالكه إلى النهاية السعيدة إن وفق الله وأراد” (7):
ولِّ أشواقكَ ولِّ
شطر أفراح التجلي
هذه الريح رخاء
واشتهينا
قمرٌ يمطر موسيقى
وطير
سابح في نهر طلَ
إنها تعبد
زهر الشمس في عينيك يغفو
والصبايا
والحكايا
وضفاف العشق والأنسي المدل
إنها تعبد طوبى للمصلي !(8)
ومن هنا نرى أن الاتجاه الصوفي في شعر البيومي عوض هو إحدى الطرق التي اختارها لاستكناه حقيقتي الحياة والموت، وسبر أغوار الوجود والعدم، وبث آلام النفس وعذاباتها في ثنايا التجربة في محاولة –كما أسلفنا– للبحث عن يقين:
أضواني البين
عذبني دوماً حرف الـ “أين”
فأدر لي كاسات التصريف
وجهك أوحشني
فأدرها كاسات التصريف
هل كان رحيلك موتاً
موتين ؟
ألفاً.. ألفين ؟
بل عد الرؤية كان
وعد الظلمة
عد الشمس
وعد الموت
وعد نسيم الفجرية
كان رحيلك صاعقة كونية
فالحيلة
كيف بوعي الكون !(9)
ولكي يعطي الشاعر صورته بعدها الصوفي نجده يستخدم مفردات الصوفية الخاصة لتقريب تلك الحالة الوجدانية والروحية إلى ذهن المتلقي، تلك الألفاظ التي تتلاءم مع رؤاه الروحية في مشهدية شفيفة، ففي قصيدته (زمردة) فقط من ديوانه “سواحل هاربة” يمكننا أن نحصي الكثير من مفردات الصوفية ومنها: (العشاق، الصبابات، أسر، الإلهام، تكبيرة الإحرام، النور، النجوى، خمرة الذات، البلد الحرام، الغفران، العشق، أُخبت وهج الجلال، السكران) وذلك لأننا –على حد تعبير الشاعر اللبناني بول شاوول– “إذا أردنا أن نبحث عن الشعر التغييري في الأدب العربي القديم، فلن نجده عند المتنبي وأبي نواس وأبي تمام على عظمة هؤلاء، لأن شعرهم هو شعر المكان المغلق! يكتبون لقارئ واحد هو الأمير أو الملك. الشعر الحقيقي الذي يعبر عن تحولات اللغة والمجتمع والطبقات السفلية والمخيلة الجامحة والجنون سنجده عند النفري وابن عربي وعند الصوفية” (10)، وذلك لأن “التجربة الصوفية والتجربة الفنية تنبعان من منبع واحد، وتلتقيان عند نفس الغاية، وهي العودة بالكون إلى صفائه وانسجامه بعد أن يخوض غمار التجربة” (11):
رويدك
يا نهور النور .. في الأحناء تنسربُ
وهل في الطير
ذو شوقٍ
ولا يفنى
وهل
في الخلق أمثالي
كروبيون لو كفروا .. وصديقون لو كذبوا ؟ (12)
إذن نحن بصدد شاعر يمتلك مفاتيح تجربته كلها من خيال ولغة وتصوير وتشكيل إلى جانب حسه الصوفي الشفيف، يحاول من خلال تجربته المتفردة أن يقول لنا: بل الشعر بخير يا سادتي إذا أخلص الشاعر لتجربته واحترق بأوارها!!
إحـــــــالات :
(1) ديوان (قمر من خمرها) شعر البيومي عوض، ص 7.
(2) ديوان (أبي) شعر البيومي عوض، ص 57.
(3) ديوان (أبي) شعر البيومي عوض، ص 87.
(4) ديوان (أبي) شعر البيومي عوض، ص 67.
(5) قمر من خمرها، ص 1.
(6) قمر من خمرها، ص 5.
(7) حياتي في الشعر / صلاح الصبور، ص 20.
(8) ديوان (سواحل هاربة) شعر البيومي عوض، ص 82.
(9) ديوان (سواحل هاربة) شعر البيومي عوض، ص 20.
(10) جريدة (أخبار الأدب) حوار مع بول شاوول أجراه محمد شعير، عدد 748، بتاريخ 11/11/2007م.
(11) حياتي في الشعر / صلاح عبد الصبور، ص 162.
(12) سواحل هاربة، ص 65.66

تعليقات