علم صديقي سامي السعيد بعودتي من المعتقل.. أخبرتني أسرتي أنه كان دائم التردد على المنزل.. كان جريئًا إلى أقصى مدى، لدرجة أنه كان يصحب والدي عند زياراته لي في معتقل طرة السياسي حتى يحمل عنه مشقة السفر، وأيضًا ليوفر عليه تكاليفه؛ فشقيقه فتحي يعمل كمسارٍ (كمساري) في شركة الأتوبيس.
في كل زيارة كان والدي يبكي على صدري عندما أعاتبه على عدم إرسال أي مبلغ لي من مرتبي الذي يصل شهريًا من سوهاج وعليه مكافأة بدل الغربة.. يقول لي والدي: “والله يا ابني ما في ولا مليم بيتوفر.. والنوتة دي فيها كل المطاعم والدكاكين اللي كنت باخدمهم أيام ما كنت صول في مركز طلخا ومش عارف أسددهم”.
يقبلني سامي سعيد ويربت على كتفي مرددًا: “خلاص يا إبراهيم.. هابعت لك أنا فلوس”.
كان كل من في المعتقل لهم مبالغ في “الكانتين”، يطلبون في حدودها جبنة أو طماطم أو بطاطس أو حلاوة أو جازًا للوابور أو خلافه.. كان زميلنا قائد العنبر يتسلم كشفًا بأسماء الذين ستوزع عليهم هذه الأشياء، ثم يتسلم كل ما طلبوه ويوزعه على من طلب، ويتم الخصم من نقود المعتقل التي أودعها في الخزينة.
حضر سامي لزيارة أسرتي، وكانت المفاجأة حينما وجدني موجودًا بالمنزل.. احتضنني وهو يبكي.. طلب مني أن أرتدي ملابسي.. أخذني إلى الكورنيش أمام سينما أوبرا، حيث كان يواعد فرج عطا الله يوسف. تذكرت الاسم الذي ردده على مسامعي أفراد أسرتي عشرات المرات في رسائلهم وزياراتهم من قبل.
وحذرتهم منه لشكي في أنه قد يكون مخبرًا هو أيضًا؛ لأنني لم أسمع عن هذا الاسم الذي يزورهم يوميًا من قبل.. اكتشفت أن فرج عطا الله يوسف قد عثر على ديواني “الدنيا هي المشنقة”.. فظل يبحث عني إلى أن أخبروه أن أعز أصدقائي اسمه سامي سعيد متولي.
كان فرج يعمل بالتربية والتعليم مثل سامي قبل أن يصبح رئيسًا للشؤون القانونية في التربية والتعليم.. عثر على سامي أخيرًا وطلب منه أن يقرأ أوراق إبراهيم رضوان التي عنده.. تردد سامي.
ومن كثرة إلحاح فرج قال له سامي: “رغم أنني غير مقتنع باطلاعك على الأوراق، إلا إنني سأعطيها لك وأجري على الله.. وأنا أعلم جيدًا أنني أرتكب جريمة في حق إبراهيم رضوان المعتقل في طرة السياسي ومِش ناقص تعب”.
قال له فرج في المقابلة التالية بعد أن قرأ الأوراق: “هل تستطيع أن توصلني إلى منزل إبراهيم رضوان لأتعرف على عائلته؟”.
قال له سامي: “يوم الجمعة اذهب إلى مسجد التوابتي بطلخا، وهو على بعد خطوات من منزلهم.. واجلس بجانبي.. وبعد الصلاة سآخذك معي لأعرفك على والده ووالدته وأسرته”.
تعليقات