“الملاذ الآمن” تحت وطأة التصعيد.. كيف يؤثر التوتر بين (واشنطن وإسرائيل) وإيران على أسعار الذهب؟
في ظل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تشهد أسواق الذهب العالمية حالة من التوتر والتحركات الحادة، إذ يتجه المستثمرون عادة إلى المعدن النفيس باعتباره أحد أبرز الملاذات الآمنة في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية. ومع كل تهديد أو تصعيد عسكري يرتفع الطلب على الذهب، ما يدفع الأسعار العالمية إلى مستويات قياسية ويجعل المعدن الأصفر مؤشراً مباشراً على حجم التوتر في الساحة الدولية.
وفي السودان، حيث يمثل الذهب شرياناً مهماً للاقتصاد ووسيلة رئيسية للادخار لدى المواطنين، يتابع التجار والمعدنون هذه التطورات بقلق، خشية أن يؤدي التصعيد العسكري إلى موجة جديدة من الارتفاعات الحادة في الأسعار داخل السوق المحلية. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع الذهب السوداني من تحديات عديدة تتعلق باضطراب منظومة التصدير الرسمية وانتشار التهريب عبر الحدود.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس شعبة مصدري الذهب في السودان عبد المنعم الصديق أن الحروب والتصعيدات العالمية تدفع المستثمرين عادة إلى العودة إلى الذهب باعتباره ملاذاً آمناً، إلا أن الوضع في السودان يختلف بسبب الظروف الاقتصادية والأمنية التي تعيشها البلاد. وأضاف أن إغلاق بعض المراكز الإقليمية لتجارة الذهب والمجال الجوي قد يهدد السوق المحلية، وقد يدفع إلى ظهور أسواق بديلة في الدول المجاورة تصبح منفذاً للذهب السوداني خارج القنوات الرسمية.
من جهته، أشار الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي إلى أن السودان قد لا يستفيد بالكامل من ارتفاع أسعار الذهب عالمياً بسبب توقف منظومة التصدير الرسمية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تنشيط شبكات التهريب عبر الحدود إلى دول الجوار. وأوضح أن ضعف القدرة على مكافحة التهريب، إلى جانب اضطراب الحدود السودانية، يسهم في زيادة نشاط هذه الشبكات ويؤثر سلباً في الاستفادة الاقتصادية من المعدن النفيس.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الذهب يأتي في مقدمة الأصول التي تستفيد من تصاعد التوترات الدولية، نظراً لكونه مخزناً للقيمة وأداة رئيسية للتحوط في أوقات عدم اليقين. كما أن اتساع نطاق الحرب أو تهديد طرق الملاحة الدولية قد يدفع الأسعار العالمية إلى قفزات سريعة، وهو ما ينعكس بدوره على الأسواق المحلية في الدول المنتجة.
وتشهد الأسواق السودانية حالياً حالة من التفاوت الواضح في الأسعار بين الذهب الجديد والمستعمل، وكذلك بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك. ويبلغ سعر غرام الذهب الجديد من عيار 21 نحو 580 ألف جنيه سوداني، بينما يصل سعر الذهب المستعمل المعروف محلياً باسم «الكسر» إلى نحو 470 ألف جنيه للغرام، مع الإشارة إلى أن الدولار الواحد يعادل نحو 3700 جنيه سوداني.
ولا يقتصر التفاوت على نوعية الذهب فقط، بل يمتد أيضاً إلى الاختلافات الجغرافية. ففي بعض مناطق غرب السودان، خصوصاً في إقليمي كردفان ودارفور، تتراوح أسعار الغرام من الخام بين 300 و375 ألف جنيه، بينما ترتفع في الأسواق الكبرى في العاصمة الخرطوم والولايات الشمالية لتصل إلى 500 ألف جنيه أو أكثر، وفق إفادات عدد من المعدنين الأهليين.
ويرى مراقبون أن هذا التفاوت يشبه إلى حد ما ما حدث في أسعار الأضاحي خلال عيد الأضحى الماضي، عندما وصل سعر رأس الضأن في مناطق الاستهلاك بالعاصمة إلى نحو مليون جنيه، بينما كان أقل بكثير في مناطق الإنتاج. ويعكس ذلك الفجوة بين مناطق الإنتاج والأسواق النهائية، إضافة إلى تأثير تكاليف النقل والتحكم في طرق التجارة والتهريب.
ويشير خبراء إلى أن الاقتصاد السوداني لم يستفد بشكل كامل من صادرات الذهب، إذ يُقدَّر أن ما بين 30% و50% من إنتاج البلاد يتم تصديره خارج القنوات الرسمية. ويعود ذلك إلى ضعف مؤسسات الرقابة وتوسع نشاط بعض الشركات غير المنظمة في قطاع التعدين وتصدير الذهب.
كما يواجه المعدنون الأهليون صعوبات في نقل الذهب من مناطق التعدين، خصوصاً في المناطق التي تخضع لسيطرة القوات المسلحة، حيث تُفرض غرامات وعقوبات على نقل المعدن بطرق غير مصرح بها. وفي المقابل يتدفق جزء من الذهب عبر قنوات التهريب إلى دول أخرى، ما يزيد الفجوة بين الأسعار المحلية والعالمية.
ويرى بعض العاملين في قطاع التعدين أن الظروف الحالية قد تمثل فرصة للبحث عن أسواق جديدة للذهب السوداني، شريطة تدخل الدولة بشكل أكبر لشراء الذهب بأسعار مجزية وتشديد الرقابة على عمليات التهريب وتسويق المعدن خارج القنوات الرسمية.
وخلال عام 2025 حافظ السودان على مكانته بين كبار منتجي الذهب عالمياً، إذ بلغ إنتاجه نحو 70 طناً بحسب تقديرات وزارة المعادن، ما يضعه في المرتبة السادسة عشرة عالمياً. ويُعد السودان أكبر منتج للذهب في العالم العربي، كما يأتي ضمن أبرز أربعة منتجين في القارة الأفريقية، في ظل اعتماد متزايد على قطاع التعدين كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي.
ويرتكز إنتاج الذهب في عدة ولايات رئيسية، من بينها ولاية نهر النيل التي تُعد مركزاً مهماً للتعدين التقليدي، وولاية البحر الأحمر التي تضم مناجم صناعية مثل منجم أرياب، إضافة إلى الولاية الشمالية حيث ينتشر التعدين الأهلي على نطاق واسع. كما تعد مناطق جنوب كردفان وشمال دارفور، خاصة منطقة جبل عامر، من أبرز مناطق الإنتاج في البلاد.
ورغم أن السودان أنتج نحو 70 طناً من الذهب خلال العام الماضي، تشير التقديرات إلى أن 80% من الإنتاج يأتي من التعدين الأهلي، مقابل 20% فقط من الشركات المنظمة. وفي المقابل، تشير تقديرات إلى أن ما بين 40% و60% من الإنتاج يتم تهريبه خارج البلاد، ما يؤدي إلى خسارة مليارات الدولارات سنوياً.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الظروف الجيوسياسية الحالية، مع توجه المستثمرين عالمياً نحو الذهب كملاذ آمن، قد تفتح فرصاً جديدة أمام المنتج السوداني لدخول أسواق عالمية بشكل أقوى، إذا تمكنت الدولة من تنظيم القطاع والحد من التهريب وتعزيز قنوات التصدير الرسمية.

تعليقات