غزة لا تنام: يحيى المبحوح، قائد النخبة الذي سقط في فخ السلام الهش.. تفاصيل اغتيال يُعيدُ الشكوك إلى اتفاق وقف النار
في أروقة الزوايدة، حيث يلتقي الرمال بأمواج المتوسط الهائجة، تحول مقهى هادئ على الشاطئ إلى قبر جماعي صباح أمس، حين هبطت غارة إسرائيلية كالصاعقة، لتُسْكِتَ صوت يحيى المبحوح إلى الأبد. كان هذا القائد البارز في كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، يجلس مع رفاقه في لحظة نادرة من الهدوء بعد أيام قليلة من اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعْلِنَ عنه في قمة شرم الشيخ، لكن القدر – أو السياسة – كان له رأي آخر. اغتيال المبحوح ليس مجرد ضربة عسكرية؛ إنه رسالة تُذَكِّرُ غزة بأن السلام قد يكون مجرد وهم في زمن النزاعات الدائمة.
من هو يحيى المبحوح؟
يحيى المبحوح، البالغ من العمر حوالي الأربعين عامًا، هو ابن غزة الأصيل، نشأ في أحضان الصراع، وانخرط مبكرًا في صفوف المقاومة. كان قائدًا ميدانيًا مخضرمًا في “كتائب القسام”، يشغل منصب قائد سرية النخبة في لواء شمال غزة، وهي الوحدة الخاصة المسؤولة عن العمليات الاستخباراتية والاغتيالات المضادة، والتدريب على القتال الحضري في أحياء المدينة المكتظة.
وفقًا لمصادر في الحركة، كان المبحوح معروفًا بذكائه التكتيكي وشجاعته في المواجهات المباشرة، حيث شارك في عشرات العمليات ضد الدبابات الإسرائيلية خلال الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023، وساهم في تنظيم الدفاع عن شمال غزة أثناء الغزو البري. لم يكن مجرد مقاتل؛ كان رمزًا للجيل الشاب في حماس، يُعْلِمُ الشباب بأسرار التحمل، ويُدَعْمُ من قبل قيادات الحركة كواحد من “أعمدة اللواء الشمالي”. في تصريحات سابقة، وُصِفَ بأنه “الرجل الذي يعرف كل زاوية في غزة”، مما جعله هدفًا أوليًا للاستخبارات الإسرائيلية بعد وقف النار.
تفاصيل الاغتيال: غارة على الشاطئ في اليوم العاشر للتراجع
وقع الاغتيال صباح يوم الأحد 19 أكتوبر 2025، في اليوم العاشر من اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعْلِنَ عنه في 9 أكتوبر، والذي وُصِفَ بأنه “نهاية الحرب” بعد أكثر من عامين من الدمار الذي أودى بحياة عشرات الآلاف.
كان المبحوح في استراحة (مقهى) على شاطئ البحر في منطقة الزوايدة، وسط قطاع غزة، يجتمع مع خمسة من رفاقه في لحظة نادرة من الراحة، حين أطلقت طائرة بدون طيار إسرائيلية غارة صاروخية دقيقة استهدفت المكان مباشرة.
أسفر الهجوم عن مقتل المبحوح فورًا إلى جانب خمسة فلسطينيين آخرين، وإصابة آخرين بجروح خطيرة نُقِلُوا إلى مستشفى ميداني قريب ثم إلى مستشفيات رئيسية في دير البلح. وفقًا لمصادر طبية فلسطينية، ارتفع إجمالي الضحايا منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023 إلى 68,159 قتيلًا و170,203 مصابًا، معظمُهم مدنيون، مما يجعل هذه الغارة جزءًا من سلسلة غارات أخرى في رفح وجباليا أسفرت عن قتلى إضافيين في اليوم نفسه.
السياق أكثر تعقيدًا؛ تتهم إسرائيل حماس بخرق الاتفاق عبر “عمليات استفزازية”، بينما تؤكد الحركة التزامها الكامل وتصف الغارة بـ”العدوان المتعمد لإجهاض السلام”. في بيانها الأول، أكدت كتائب القسام أن “اغتيال المبحوح لن يُثْنِيَنا عن المقاومة”، مشددةً على أن “الدماء ستُنْتَجُ أبطالاً جددًا”. وفي منشور على منصة X، غرَّدَ ناشط فلسطيني: “يحيى المبحوح لم يمت؛ هو يعيش في كل زاوية من غزة، وهذه الغارة دليل على خوفهم من السلام الحقيقي”.
مع هذا الاغتيال، تعود غزة إلى مربع الشكوك، حيث يُسَأَلُ العالم: هل كان وقف النار مجرد فترة هدوء قبل عاصفة أخرى؟ يحيى المبحوح، الرجل الذي عاش للمقاومة، رحل كشهيد، تاركًا وراءه إرثًا من الصمود يُذَكِّرُ الجميع بأن غزة لا تُسْتَسْلَمْ.

تعليقات