من غزة إلى كندا: رحلة جيهان مع اللجوء

من غزة إلى كندا: رحلة جيهان مع اللجوء

لم تكن رحلة جيهان من غزة إلى كندا مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل كانت مسارًا طويلًا من الخوف والانتظار والتحديات التي غيّرت شخصيتها ورؤيتها للحياة. جيهان، الشابة الفلسطينية التي عاشت تسعة وعشرين عامًا في غزة بكل تفاصيلها من عائلة وأصدقاء وزواج وأبناء وعمل، وجدت نفسها عام 2018 أمام فرصة لم تكن تخطر لها على بال. فقد حصلت على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة من خلال عملها في مؤسسة دولية، بعد أن تمكنت من إجراء المقابلة في السفارة الأمريكية بالقدس بفضل تصريح خاص عبر معبر إيرز. كان ذلك أول خيط فتح أمامها باب الهجرة، لتبدأ بعدها سلسلة من القرارات المصيرية.

في عام 2019 اتخذت جيهان قرارها بالسفر، لكنها اصطدمت بعقبة كبيرة: رفضت السفارة منح تأشيرات لأولادها. وجدت نفسها مضطرة للمضي وحدها، على أمل أن تتمكن لاحقًا من لمّ شملهم. بدأت رحلتها من غزة إلى معبر رفح، ومنه إلى القاهرة، ثم ركبت طائرة متجهة إلى الولايات المتحدة، لتصل إلى مطار واشنطن وهي مثقلة بالخوف من أن يتم كشف نواياها وإعادتها. لكنها سرعان ما أدركت أن ذلك الخوف لم يكن سوى هاجس داخلي بلا أساس.

كانت خطتها الأولى دخول كندا عبر فانكوفر، لكنها اكتشفت أن المعابر الرسمية بين الولايات المتحدة وكندا لا تسمح بتقديم طلب اللجوء لمن يعبرها بشكل غير قانوني، وإلا يُرحَّل فورًا. بعد بحث طويل وجدت أن الطريق الأكثر شيوعًا كان عبر ولاية نيويورك باتجاه مونتريال، حيث يُعرف معبر “روكسهام رود” بأنه منفذ غير رسمي يعبره طالبو اللجوء. سافرت إلى نيويورك، ومن هناك ركبت حافلة لعدة ساعات، ثم استقلت سيارة أوصلتها إلى الحدود حيث كان في انتظارها عناصر الشرطة الكندية. هناك، بدأت خطواتها الأولى كطالبة لجوء: أخذوا منها جواز السفر والهوية الفلسطينية، وأجروا معها تحقيقًا أوليًا، ثم نقلوها إلى مركز الصليب الأحمر، حيث بقيت مع آخرين ثلاثة أيام في ظروف صعبة، كان أبرزها انقطاع الاتصالات عن أهلها.

عائلة جيهان
مصدر الصورة: instagram: jihanqunoo@

بعدها تم نقلها إلى ملجأ في مونتريال مخصص لطالبي اللجوء. لم تستطع البقاء فيه طويلًا بسبب صعوبة الظروف، لكنها حصلت على وثيقة مؤقتة تُعرف باسم “البراون بيبر” تعطيها هوية بديلة لحين البت بطلبها. أمامها خمسة عشر يومًا فقط لتقديم “بيسز أوف كليم”، وهو الملف الرسمي الذي يشرح أسباب لجوئها وأدلتها. استعانت بمحامية عبر المساعدات القانونية في كندا، وجهزت ملفها بعناية لتثبت أحقيتها بالحماية.

مرت الأشهر ثقيلة حتى جاء موعد محكمتها في أبريل 2020، غير أن جائحة كورونا قلبت الموازين وتم تأجيل الجلسة. كانت تلك الفترة من أصعب مراحل حياتها، إذ وجدت نفسها وحيدة في كندا بينما أولادها بعيدون عنها في غزة، والحدود مغلقة بسبب الوباء. وبعد عدة أشهر، في سبتمبر 2020، عُقدت الجلسة أخيرًا. تصف جيهان يوم المحكمة بأنه من أصعب أيام حياتها، حيث جلس القاضي أمامها يطلب تفاصيل دقيقة عن رحلتها وأسباب طلبها للجوء. لكنها كانت صادقة، وقدمت أوراقها كاملة، وانتظرت القرار في قلق استمر شهرًا كاملًا، حتى وصلها عبر البريد في أكتوبر معلنًا قبول لجوئها. كان ذلك لحظة فارقة أضاءت حياتها بعد فترة طويلة من الترقب والخوف.

لم تنته القصة عند هذا الحد. بعد حصولها على حق اللجوء، قدمت على الإقامة الدائمة لها ولأطفالها، لكنها واجهت عقبة البيروقراطية الكندية. فقد استمر الانتظار طويلًا بسبب تأخر المعاملات في زمن الجائحة، وبقيت سنتين تقريبًا دون أن تتمكن من لمّ شمل أبنائها. لجأت إلى كل السبل: تواصلت مع نواب البرلمان، قدمت طلبات زيارة مؤقتة، لكنها قوبلت بالرفض. حتى جاء عام 2021، حين تصاعد العدوان على غزة وعاشت جيهان لحظات عصيبة وهي بعيدة عن أولادها وسط الخطر. عندها أجرت مقابلة مؤثرة مع شبكة CBC الكندية تحدثت فيها بصدق عن معاناتها، فوجدت صدى واسعًا ودعمًا من نشطاء، أبرزهم ماثيو، الذي نصحها بالتقديم على إقامة مؤقتة لأطفالها (TRP).

بالفعل، ساعدتها محاميتها في تقديم الطلب، وتمت الموافقة خلال شهر، لتبدأ رحلة إخراج الأطفال من غزة عبر مصر وصولًا إلى كندا في يونيو 2021. لم تكن الرحلة سهلة، فقد رافقتها احتجاجات ودعم شعبي حيث نظمت جيهان مظاهرة أمام البرلمان الكندي ومكتب رئيس الوزراء آنذاك جاستن ترودو، وجمعت أكثر من 25 ألف توقيع لدعم قضيتها. لكن النتيجة كانت تستحق كل هذا العناء: لمّ شمل عائلتها أخيرًا بعد غياب دام عامين.

في عام 2022 حصلت جيهان وأولادها على الإقامة الدائمة في كندا، وبدأت إجراءات التقدم للجنسية. اليوم، وبعد أن استقرت في هذا البلد، تقول إن التجربة رغم قسوتها علمتها الكثير وصقلت شخصيتها. فالهجرة واللجوء لم يكونا طريقًا مفروشًا بالورود، بل رحلة مليئة بالقلق والخوف والانتظار، لكنها في النهاية قادتها إلى بر الأمان. وعندما تسأل نفسها: لو عاد بها الزمن إلى عام 2019، هل كانت ستعيد الكرة وتختار كندا مجددًا؟ تجيب بلا تردد: نعم. فبرغم المشاق، وجدت في كندا بلدًا يحترم الإنسان ويقدّر التنوع ويمنح القادمين الجدد فرصة للحياة الكريمة.