من هم عائلة دغمش في غزة وما علاقتهم باغتيال الصحفي صالح الجعفراوي
في أزقة حي الصبرة العتيقة، حيث تختبئ ذكريات الثأر خلف جدران الرصاص، تتقاطع خيوط عائلة دغمش مع دماء الصحفي صالح الجعفراوي، كأن القدر يعيد كتابة فصل من تاريخ غزة المرير. كانت الشمس تلوح ليوم جديد بعد اتفاق وقف إطلاق النار الهش، عندما انفجر صوت الرصاص مرة أخرى، ليس مع الاحتلال هذه المرة، بل بين أبناء الشعب نفسه. هناك، في قلب المدينة المحاصرة، سقط الجعفراوي، الشاب الذي أضاء شاشات العالم بصوته الجريء، ضحية لاشتباكات عنيفة بين جماعات مسلحة تابعة لحركة حماس وعناصر من عائلة دغمش، تلك العشيرة التي تحمل في جيناتها مزيجًا من المقاومة والخلافات الدامية.
عائلة دغمش، أو “دوغموش” كما ينطقها البعض، هي إحدى أكبر العشائر الفلسطينية في قطاع غزة، مركزها الرئيسي حي الصبرة بمدينة غزة، حيث يعيش آلاف الأفراد في مربعات سكنية مترابطة كالأوردة في جسم واحد.
نشأت جذورها في أرض فلسطينية أصيلة، لكنها سرعان ما تحولت إلى قوة مسلحة في سبعينيات القرن الماضي، مع صعود جماعات مثل “جيش الإسلام” الذي يُعزى إليها، وكانت تُحسب على تيار فتح في البداية قبل أن تنفصل عنه في صراعات داخلية.
في عام 2007، شهدت غزة اشتباكات دامية بينها وبين ميليشيات حماس، أسفرت عن مقتل عشرات، بما في ذلك ثلاثة أفراد من عائلة الديري، فيما يُوصف بـ”مجزرة الثأر”، حيث منعت حماس أطفال دغمش من دفن موتاهم، مما أشعل فتيل عداوة لا تنتهي.
وفي أكتوبر 2023، دفع الاحتلال الإسرائيلي ثمن هذه العداوة بمجزرة أودت بحياة أكثر من 100 فرد من العائلة في قصف وحشي على منازلهم، وُصِفَ بأنه “الأكثر دموية” في تاريخ الحرب، لكن البعض يرى فيه ردًا على رفض دغمش التعاون مع إسرائيل.
مع انتهاء الحرب ودخول اتفاق وقف النار، عادت الرياح إلى الشرق: اتهمت حماس عائلة دغمش بالتعاون مع الاحتلال، سرقة شاحنات المساعدات، والسطو على ممتلكات المدنيين، مما أدى إلى حصار حي الصبرة وحملة أمنية أسفرت عن مقتل عشرات من أفرادها، بما في ذلك قتلى في اشتباكات مع وحدة “سهم” التابعة لحماس.
وفي منشور على X، يقول ناشط فلسطيني: “عائلة دغمش التي كانت تراها حماس قبل أشهر من العائلات المناضلة التي رفض كبارها التعاون مع الاحتلال مقابل أن يبقوا في منطقتهم، ومع ذلك اليوم تحاصرها حماس كخونة”.
أما علاقة هذه العائلة بالصحفي صالح الجعفراوي، فهي قصة اغتيال تُلْصَقُ بالفوضى الداخلية. كان الجعفراوي، البالغ 26 عامًا، يعد تقريرًا ميدانيًا عن الاشتباكات في الصبرة صباح 12 أكتوبر، عندما اختُطِفَ من قبل مسلحين من عائلة دغمش، ثم قُتِلَ برصاص سبعة طلقات، حسب روايات عائلته ومصادر أمنية فلسطينية. “كان يغطي الأحداث بجرأة، لكنه وقع في فخ الاشتباكات بين دغمش وحماس”، يقول شقيقه علي في تصريح للإعلام، مضيفًا أن الجعفراوي “كان محسوبًا على حماس، مما جعله هدفًا للعائلة”.
وفي فيديو متداول على يوتيوب، يُظْهَرُ المشهد كـ”تصفية حسابات”، حيث اتهمته دغمش بالانحياز للحركة، بينما تُشِيرُ تقارير إلى أن الاغتيال جاء كرد فعل على تغطيته لاتهامات الخيانة ضد العائلة. ومن X، يصرخ ناشط: “لعنة الله على آل دغمش الخونة، قتلوا صالح غدرًا بسبع رصاصات”، فيما يرد آخر: “حماس ثأرت له بتصفية 50 من الخونة واعتقال 60، صالح شهيدًا”.
في غزة اليوم، حيث يُعِيدُ وقف النار إحياءَ الجراح القديمة، تبقى عائلة دغمش رمزًا للازدواجية: مقاومة في وجه الاحتلال، وخصم داخلي يُغْذِيُ الفتنة. أما صالح الجعفراوي، فإرثُهُ ليس في دمه الذي سال، بل في الصوت الذي سكَتَ، يُذَكِّرُ العالم بأن السلام الحقيقي يبدأ بوقف الدماء بين الأخوة.

تعليقات