بعد افتتاح المتحف المصري الكبير.. موعد عودة رأس نفرتيتي إلى مصر؟
عاد الجدل مجددًا حول قضية استرداد الآثار المصرية المعروضة في المتاحف العالمية، بعد افتتاح المتحف المصري الكبير وبدء عرض عدد من أهم كنوز الحضارة الفرعونية، إذ برزت مجددًا المطالب الشعبية والرسمية بعودة رأس الملكة نفرتيتي المعروضة في متحف برلين، باعتبارها إحدى أبرز القطع الأثرية التي تمثل هوية مصر الحضارية وروحها الخالدة.
التمثال النصفي لنفرتيتي، الذي يعد من أعظم روائع الفن المصري القديم، يجسد جمال الملكة وقوتها وذكاءها السياسي في آنٍ واحد. ويبلغ ارتفاع التمثال نحو 47 سنتيمترًا ويزن قرابة 20 كيلوغرامًا، مصنوعًا من الحجر الجيري المغطى بطبقة من الجص الملون، ما منحه ملامح واقعية آسرة جعلته من أشهر التماثيل في العالم.
بحسب الدكتور أحمد بدران، أستاذ الآثار المصرية بجامعة القاهرة، فإن التمثال اكتُشف عام 1912 في تل العمارنة بمحافظة المنيا، على يد البعثة الألمانية بقيادة عالم المصريات لودفيغ بورخاردت. وفي تلك الحقبة، كانت القوانين الأثرية تسمح بتقسيم المكتشفات بين الحكومة المصرية والبعثات الأجنبية، مع استثناء واضح يمنع خروج القطع الملكية من البلاد. لكن بورخاردت، الذي أدرك القيمة الاستثنائية للاكتشاف، زعم أن الرأس تخص أميرة مجهولة وليست لملكة مصرية، وادّعى أنها مصنوعة من الجبس لتضليل السلطات المصرية.
أخفى بورخاردت التمثال عن أعين المسؤولين ووضعه في مقر البعثة إلى أن تم تهريبه إلى ألمانيا، حيث أوصى بعدم عرضه لعشر سنوات حتى تهدأ الأوضاع. وبعد ذلك، ظهر التمثال في متحف برلين، ليصبح أحد رموزه الأيقونية وأكثر معروضاته جذبًا للزوار. وخلال الحرب العالمية الثانية، تم نقل الرأس إلى أماكن سرية متعددة لحمايتها من القصف، قبل أن تنتهي في مخبأ الزعيم النازي أدولف هتلر، الذي تردد أنه أُعجب بجمالها واحتفظ بها في مكتبته الخاصة.
تحوّل التمثال لاحقًا إلى جزء من الهوية الثقافية الألمانية، وظهرت صورته على الطوابع الرسمية، كما استخدمته أحزاب ومؤسسات رمزا للفخر الفني. ومنذ ذلك الحين، طالبت مصر مرارًا عبر وفود رسمية باستعادة الرأس، مؤكدة أنها خرجت بطريقة غير شرعية، إلا أن كل تلك الجهود قوبلت بالرفض.
من جانبه، أوضح أحمد غازي، المدير المسؤول في المركز العربي الأوروبي للقانون الدولي، أن رأس الملكة نفرتيتي أصبحت رمزًا ثقافيًا للألمان بعد بقائها في برلين لأكثر من 113 عامًا، مشيرًا إلى أن مصر سلكت كل الطرق القانونية والدبلوماسية لاستعادتها، سواء عبر التعاون مع منظمة اليونسكو أو من خلال التحكيم الدولي.
وأضاف أن اتفاقية اليونسكو لعام 1970 الخاصة بمنع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية لا تنطبق على هذه الحالة لأن خروج التمثال سبق صدور الاتفاقية، لكنه أكد أن هناك آلية دولية أُنشئت في العام نفسه في فرنسا، تُعنى بالنظر في النزاعات الأثرية القديمة وتشجع على إعادة القطع إلى بلدانها الأصلية، وقد نجحت بالفعل في حالات مشابهة حول العالم.
ورغم تعقيد المسار القانوني، تبقى رأس نفرتيتي بالنسبة للمصريين رمزًا لا يقدّر بثمن، وقضيتها تمثل استمرارًا لمعركة طويلة من أجل استعادة تراث البلاد الذي نُهب في فترات تاريخية سابقة، في انتظار اليوم الذي تعود فيه إلى موطنها الأصلي، لتُعرض بين كنوز مصر في قلب المتحف الكبير، حيث تنتمي.

تعليقات