ابراهيم رضوان يكتب: الحلقة 36 من “الطريق إلى طرة” من كتاب: “مدد مدد.. سيرة ذاتية لبلد”

ابراهيم رضوان يكتب: الحلقة 36 من “الطريق إلى طرة” من كتاب: “مدد مدد.. سيرة ذاتية لبلد”
ابراهيم رضوان

علم صديقي سامي السعيد بعودتي من المعتقل.. أخبرتني أسرتي أنه كان دائم التردد على المنزل.. كان جريئًا إلى أقصى مدى، لدرجة أنه كان يصحب والدي عند زياراته لي في معتقل طرة السياسي حتى يحمل عنه مشقة السفر، وأيضًا ليوفر عليه تكاليفه؛ فشقيقه فتحي يعمل كمسارٍ (كمساري) في شركة الأتوبيس.

في كل زيارة كان والدي يبكي على صدري عندما أعاتبه على عدم إرسال أي مبلغ لي من مرتبي الذي يصل شهريًا من سوهاج وعليه مكافأة بدل الغربة.. يقول لي والدي: “والله يا ابني ما في ولا مليم بيتوفر.. والنوتة دي فيها كل المطاعم والدكاكين اللي كنت باخدمهم أيام ما كنت صول في مركز طلخا ومش عارف أسددهم”.

يقبلني سامي سعيد ويربت على كتفي مرددًا: “خلاص يا إبراهيم.. هابعت لك أنا فلوس”.

كان كل من في المعتقل لهم مبالغ في “الكانتين”، يطلبون في حدودها جبنة أو طماطم أو بطاطس أو حلاوة أو جازًا للوابور أو خلافه.. كان زميلنا قائد العنبر يتسلم كشفًا بأسماء الذين ستوزع عليهم هذه الأشياء، ثم يتسلم كل ما طلبوه ويوزعه على من طلب، ويتم الخصم من نقود المعتقل التي أودعها في الخزينة.

حضر سامي لزيارة أسرتي، وكانت المفاجأة حينما وجدني موجودًا بالمنزل.. احتضنني وهو يبكي.. طلب مني أن أرتدي ملابسي.. أخذني إلى الكورنيش أمام سينما أوبرا، حيث كان يواعد فرج عطا الله يوسف. تذكرت الاسم الذي ردده على مسامعي أفراد أسرتي عشرات المرات في رسائلهم وزياراتهم من قبل.

وحذرتهم منه لشكي في أنه قد يكون مخبرًا هو أيضًا؛ لأنني لم أسمع عن هذا الاسم الذي يزورهم يوميًا من قبل.. اكتشفت أن فرج عطا الله يوسف قد عثر على ديواني “الدنيا هي المشنقة”.. فظل يبحث عني إلى أن أخبروه أن أعز أصدقائي اسمه سامي سعيد متولي.

كان فرج يعمل بالتربية والتعليم مثل سامي قبل أن يصبح رئيسًا للشؤون القانونية في التربية والتعليم.. عثر على سامي أخيرًا وطلب منه أن يقرأ أوراق إبراهيم رضوان التي عنده.. تردد سامي.

ومن كثرة إلحاح فرج قال له سامي: “رغم أنني غير مقتنع باطلاعك على الأوراق، إلا إنني سأعطيها لك وأجري على الله.. وأنا أعلم جيدًا أنني أرتكب جريمة في حق إبراهيم رضوان المعتقل في طرة السياسي ومِش ناقص تعب”.

قال له فرج في المقابلة التالية بعد أن قرأ الأوراق: “هل تستطيع أن توصلني إلى منزل إبراهيم رضوان لأتعرف على عائلته؟”.

قال له سامي: “يوم الجمعة اذهب إلى مسجد التوابتي بطلخا، وهو على بعد خطوات من منزلهم.. واجلس بجانبي.. وبعد الصلاة سآخذك معي لأعرفك على والده ووالدته وأسرته”.

قال له فرج عطا الله يوسف: “لن أستطيع دخول المسجد لأنني مسيحي”. فوافق سامي ووصف له عنوان المنزل..

أخبرهم سامي أن فرج عطا الله يوسف من أصدقائي.. أخرج لهم الكارنيه الذي يثبت أنه زميل لي في التربية والتعليم.. أصبح يذهب يوميًا ليجلس معهم مؤكدًا أنه من أعز أصدقائي، وأننا كنا لا نفترق، وأنه حزين جدًا لفراقي.

كانت الأسرة متعجبة جدًا لأنهم لم يعرفوه أو يشاهدوه قبل ذلك بصحبتي..

كان والدي بعد خروجه على المعاش يتقاضى أربعة جنيهات فقط لتسعة أبناء وزوجة.. تقدم بطلب ليعمل بجمعية الأحذية التابعة لمديرية أمن المنصورة حيث قبلوا الطلب.

كان فرج عطا الله يحضر له قبل أن يذهب إلى المدرسة التي يعمل مدرسًا بها ليوصله إلى الجمعية سيرًا على الأقدام؛ فمديرية الأمن بجوار كوبري طلخا مباشرة.

وفي موعد خروج والدي الساعة 4 يذهب له فرج ليعود به.. ثم يأخذه من الساعة 7 ليلاً حتى العاشرة مرة أخرى.. كانت صحة الوالد في طريقها إلى التدهور، وقد تكالبت عليه أحمال السن والفقر واعتقالي..

عندما علم فرج عطا الله أن شقيقتي مريضة أحضر لها الطبيب إلى المنزل واشترى الدواء.. كان خادمًا للأسرة يقوم بكل ما يلزمهم نيابة عني في غيبتي.. يأتي لهم كل أسبوع بالحلويات والسندويشات التي يجلبها معه من الكنيسة.. كانوا يعرفون أنه مسيحي، وكانوا يتعجبون من الحب الذي يربطه بابنهم..

أعود إلى حيث وقفت مع سامي أمام سينما أوبرا وأنا لا أدري السبب الذي أحضرني له.. فجأة حضر شاب طويل القامة.. عانق سامي.. أخذ يطيل النظر إلى ملامحي.. أخبره سامي أنني إبراهيم رضوان وأنني خرجت من المعتقل اليوم.. ارتعد (ارتعش) فرج.

انهمر فجأة في البكاء وهو يعانقني.. قال لي إنه سيعود لبيته فورًا ليبلغ أمه أنني خرجت من المعتقل؛ فهي تشعل يوميًا شمعة لستنا مريم وتدعو لك أن تخرج من المعتقل..

حاسس و كأنى صبحت غريب
محتاج أرجع للبيت
مع إنى في قلب البيت
مليت م الغربه.. و م الترحال
و النومه لوحدى حزين البال
واقف.. جوال.. ولا دارى بشئ
و لا أي جديد
و كأنى من المطاريد
و ما زال الكون عجلات بتدور
مع إن الوقت عليل
يا بو المووايل..
حولها الزمن القاسى عليك دايما لتراب
مقفول الباب .. مفتوح الباب
الكل خلاص أصبح أغراب
و إن داب القلب في أي تمنى
هايبقى خروج مشروع
و خروج الروح مش صعب عليك
بتقوللى نعود؟
على فين هانعود؟
و جميع أبواب العالم كارهه لقاك
يا ملل معجون بملل معجون
الصادق كن فيكون
و انت محشور جوه البراكين
و لا كنت حزين
الحزن أقل في سكة توهه عليك بكتير
و لا عدت خلاص بتغير على شيء
و لا شئ هايريح قلبك غير دخلته في الليل
حواليك الهوى بيدور
و يدور و يدور و يدور و يدور
واقف دبورعلى خدك يوم ما خاصمت النوم
مهموم ؟ مستنى تعيش؟
هاتطير ازاى من غير الريش؟
و بدون ما تعيش
فيه شيء بيبص عليك بشويش
و مافيش في الدايره مكان يأويك..
أو يفرح بيك
حرم من تانى تعيش مقلوب
جربت تتوب .. ما قدرت تتوب
غير لما رحيل النورس آن
و اللى نسيوك و فاتوك قلقان
بيدوسوا عليك علشان انسان
و
إلي اللقاء في الحلقة القادمه
ابراهيم رضوان