كلمة الدكتور علاء عبد الهادي رئيس النقابة العامة لاتحاد الكتاب في الجمعية العمومية بتاريخ 27 مارس 2026
الزميلات والزملاء الأجلاء،
حراس الكلمة، وضمير مصر الحي، وأصحاب المكانة..
باسم أدباء مصر وكتابها، حراس الذاكرة وصنّاع الهوية، وباسم مجلس إدارتكم الذي حمل الأمانة، وباسم المجلس الاستشاري الأعلى للنقابة، أرحب بكم في اجتماعنا اليوم، وهو ليس مجرد اجتماع لجمعية عمومية عادية، بل إنه وقفةٌٌ مع الذات، ومحاكمةٌٌ للتاريخ، واستشرافٌ لغدٍ يليق بمكانتكم.
في هذا اليوم من تاريخ نقابتنا العريقة، وهو يومٌ سنؤرخ فيه لانتصار الإرادة المؤسسية على الفوضى، ولسيادة المنجز الحقيقي على الأوهام والشعارات. نرحب بكم جميعا في رحاب بيتكم الكبير، هذا الكيان الذي لم يكن يوما مجرد جدران، بل إنه ضمير الأمة وسياج فكرها. وقبل أن نبدأ، دعونا ننحني إجلالا وإكبارا لشهداء الواجب والوطن في مصر الأبية، وفي فلسطين الصامدة، وفي اليمن ولبنان وسوريا.. بتحية تليق بمن وهبوا أرواحهم لتظلّ رايات الحقّ خفاقة. ولنقرأ فاتحة الكتاب لزملائنا الراحلين عليهم جميعا رحمة الله .
الجمعية الموقرة، إن ما يجمعنا اليوم ليست البيانات والأرقام والورق، بل إنها “بوصلةٌ وطنية وثقافية” أقسمنا أن تظلّ موجهة نحو قبلةٍ واحدة هي رفعة هذا الكيان واستقلاله. لقد خضنا معارك لانتزاع حقوق النقابة، ولم تكن يسيرة بأي معنى، بل كانت معارك “وجودٍ وتوطين” للدور الثقافي المعرفي للنقابة ولأعضائها المبجلين.
فبائتمانكم لنا على هذه الأمانة: حققنا ما ظنه البعض محالا؛ فبينما كانت نقاباتٌ كبرى تترنح تحت وطأة الأزمات، حققنا فائضا قارب أربعة ملايين ونصف المليون جنيه هذا العام 2025، وهو أعلى فائضٍ في تاريخ النقابة منذ إنشائها حتى الآن. وفي سابقة لم تعرفْها ميزانياتنا من قبل!
وعلى مستوى الحماية الاجتماعية، لم نكتف بالأماني؛ بل انتزعنا توجيها رئاسيا بضم فئة الكتاب إلى فئات الموسيقيين والتشكيليين والسينمائيين في التأمينات الاجتماعية، لنؤمّن للأديب المصري غطاء يليق بكرامته بعد عقود من التهميش، وذلك في قانون الخدمة الاجتماعية الجديد الذي صدر في عام 2025. في خطوةٍ غير مسبوقة تضمن للأديب حقّه في حياةٍ كريمة، وقد سبق كلّ ذلك رفع المعاشات ثلاث مراتٍ متتالية بنسبة تقترب من ثلاثة أضعاف ما كان عليه، [والآن نرفعه للمرة الرابعة بنسبة 25% لكل الفئات]، هذا فضلا عن تطوير منظومة العلاج التي وصل سقفها عام 2025 إلى ثمانين ألف جنيه للعضو دون مشاركة العضو بنسبة فيه، وهذا -لمن لا يعرف- أعلى سقف علاجي في نقابات مصر كافة..
وعلى مستوى الريادة، أعدنا لمصر مكانتها الطبيعية، وكان اجتماع القاهرة الأخير في شهر فبراير بتمثيل إحدى عشْرة دولة عربية إعلانا سياديا عن عودة “القوة الناعمة” لقيادة المشهد الثقافي العربي، وقد طرحنا فيه بقوة ضرورة عقد “قمة ثقافية عربية كبرى”. اتفق الحضور على ضرورتها وشهد المؤتمر نجاحا منقطع النظير..
واستمر جهدنا الثقافي في الداخل والخارج -وباختصار شديد- أعدنا صياغة الخارطة الثقافية المصرية عبر خطواتٍ مدروسة تركت آثارها القوية على واقعنا الثقافي المعيش منها ما يأتي:
. تنفيذ محاور الاستراتيجية الصغرى التي فرضتم تنفيذها على مجلس الإدراة، ومجالس الفروع النقابية، فاستكملنا أرشيفنا البصري بـمئتي فيلم وثائقي عن مئتي مبدع مصري، وأطلقنا الطلقة الإذاعية الأولى لأول إذاعة هادفة في مضمونها ومبناها وهي “إذاعة الأدب العربي” ببث مباشر أربع ساعات كل يوم يعاد بثّها مرتين، وانطلق البثّ مع ذكرى نصر أكتوبر العظيم في السادس من أكتوبر عام 2024. برمزية “الطلعة الجوية الأولى” ربطا للإبداع بالنصر.
كما نجحنا في تحقيق الفائض المالي المطلوب لحماية مشروعات النقابة الاستراتيجية سواء ما أطلقنا عليه استكمال جدار الحماية الصحية للعضو، أو ما ارتبط بمعاشات الأعضاء، أو ما أنشأناه معا من صندوقٍ جديد للرعاية الصحية، أو ما طورناه معا في صندوق الخير.
كما أصدرنا أدلة العضويات في أحد عشر فرعا نقابيّا، بالإضافة إلى دليل عضوية القاهرة الكبرى، تمهيدا لإنشاء الدليل الموحد للنقابة، وأتممنا التعاقد لإنشاء بوابةٍ إلكترونية كبرى تليق بنقابتنا ونشاطاتها ، وقمنا بإعادة إصدار دورية “ضاد” من جديد بعد اختيار مدير تحرير جديد لها، وانتظمنا في إصدار الكاتب المصري وهي بين أيديكم الآن.. وهذا جزء من كل.
الزميلات والزملاء، بينما كان البعض يقتات على التشكيك، كنا انتهينا من إنفاذ كل مهمّات “الاستراتيجية الصغرى” للنقابة الواقعة على عاتقنا بقراركم، وحققنا أهدافها العملاقة كافة، ووضعنا الأرضية اللازمة لإنفاذ استراتيجيتكم على المدى البعيد التي أوكلتموها إلينا بثقتكم بنا فقمنا:
– بتوقيع اتفاقاتٍ استراتيجية كبرى مع كل من: وزارة الثقافة، ومكتبة الإسكندرية، وجامعة الدول العربية، وعددٍ من جامعات مصر، لتوطين الإبداع الأدبي والثقافي لأعضاء النقابة ومفكريها ونقادها في المحيط الإقليمي .. وهذا جزء من كل.
.
-وقمنا بتوقيع اتفاقات دولية مع دول لها حضورٌ ثقافي بارزٌ ومؤثر: كالصين، وروسيا، ورومانيا، وداغستان، وأذربيجان، ورابطة الأدباء الأفارقة التي تضم خمسا وأربعين دولة إفريقية وأنشأنا مع عددٍ من الجمعيات النقدية المصرية مكتبا للترجمة العكسية، وهذا جزء من كل.
– كما بدأنا مع الجانب الروماني إطلاق الأنثولوجيات الخاصة والترجمات المشتركة المصرية الرومانية لتجوب العالم، فضلا عن اتفاقياتنا المشتركة مع مؤسسات أو اتحادات عربية في لبنان وسوريا والعراق وليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا والمغرب والأردن والبحرين وغيرها. وصدرت هذا العام أنثولوجيا شعرية نوعية في مجلدين باللغتين العربية والرومانية احتفلنا لها في أمسيّةٍ خاصة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، بعد أن أصبح لنا جناحٌ -أول مرة- نعرض فيه أعمالنا، وهي السنة الثانية لذلك..
.
– وبدأنا في استرداد حقوقنا النقابية الضائعة لدى الناشرين، بعد رفع دعاوى قضائية وفقا لقراراتكم، فتم التصالح مع دار النهضة هذا العام. وفتح ملف التسوية الشاملة مع مؤسسات وزارة الثقافة كافة لتحصيل مستحقاتنا المتأخرة من عقود.. وهذا جزء من كل.
.
– كما أضفنا عددا من الجوائز الخاصة لتصل إلى سبع عشْرة جائزة في فروع الأدب والكتابة كافة وضعت أموالها من متبرعيها في رصيد خاص تملكه النقابة الآن ونستثمره للصرف على جوائز النقابة.
– أما جوائز الخالدين: فقد انضممنا عام ألفين وخمسة وعشرين لمنتدى الجوائز العربية الدولية تقديرا لقيمة ما أطلقناه من جوائز دوليةٍ كبرى بأسماء الكبار (أحمد شوقي، وفؤاد حداد، وطه حسين)، نخلّد بها السابقين في اللاحقين، لنحيي تراثا شعريّا وفكريّا لم تلتفت إليه الثقافة المصرية من قبل، سواءٌ من منظمات المجتمع المدني أو المؤسسات الرسمية كافة.. وهذا جزء من كل..
– أما تشريع الضرورة: فوضعنا بين أيديكم في شهر يوليو عام 2025 بعد جُهدٍ وجَهد تعديلاً تشريعيًّا شاملاً هو الأول منذ عام 1978، للائحةٍ تنفيذيةٍ مفصلة لقانون النقابة.. أقرته الجمعية العمومية غير العادية بأغلبية ساحقة، وهذا جزء من كل.
. أما على مستوى الوفر المالي في فترة رئاستنا للنقابة؛ (2015- 2025) فقد ارتفع رصيد النقابة الكلي من (801 636 😎 مليون جنيه في عام 2015 إلى: (187 764 41) مليون جنيه بزيادة تصل إلى: (376 138 32) مليون جنيه مصري. وارتفع رصيد صندوق المعاشات من (307 940 22) مليون جنيه إلى: (721 959 54) مليون جنيه بزيادة تصل إلى: (424 909 32) مليون جنيه مصري. وكما هو موضح بالمستندات في الوثائق التي تضمّنها عدد “الكاتب المصري” وبزيادة كلية في رأس المال جاوزت: (790 147 56) ستة وخمسين مليون جنيه ومئة وسبعة وأربعين وسبعمئة وتسعين، وبنسبة زيادة على رأس المال الكلي تزيد على 250% من أصل رأس المال.
. وتحضّر النقابة في الأسابيع القليلة القادمة إن شاء الله لانعقاد مؤتمر ثقافي وطني هو الأكبر في تاريخنا المعاصر – استمرارا للاحتفال بـ اليوبيل الذهبي للنقابة- وهو مؤتمر يشتبك بالسؤال الشائك المتكرر دائما من عقود وهو: ما (مستقبل الثقافة في مصر) وذلك في ظل غياب مشروع قومي للثقافة. نحن في أشد الحاجة إليه في عصر العولمة والذكاء الاصطناعي، وخفوت الهوية, ولدينا الآن مجلدان يضمان أكثر من 80 مشاركة علمية..
وهذا كله على سبيل المثال لا الحصر.
إن ما تحقق من منجز أشرنا في عجالة إلى القليل منه نقول -بكلّ تجرد- إنه منجز نقابي على المستويات المالية والإدارية والخدمية والثقافية لا يقارن بأي منجز آخر في أية نقابة في داخل مصر أو في محيطنا العربي على مر عقود.
الحضور الكرام:
لقد جئتكم اليوم، لا لأتحدث من مقعد الرئاسة، بل لأقف معكم في خندق الدفاع عن عزة هذا الكيان. وعن احترامه وهيبته وحماية مقدراته، فنحن لم نجتمع في شهر يوليو الماضي القريب لمجرد تعديل لوائح النقابة، بل لنقرر رؤية مجدولة بالتشريع لمستقبل هذا الكيان كي تصبح هذه النقابة حصنا مستقلا للأدباء، بدلا من أن تتحول إلى مرعى للمبتزين أو الباحثين عن بطولات زائفة على صفحات تواصلٍ اجتماعي.. (…)
اليوم نؤرخ لعصر لا مكان فيه لمن يبيع كرامة نقابته أو يتاجر بحقوق زملائه من أجل مصلحة شخصية رخيصة، فلنطهرْ بيتنا، ونحمي منجزنا، ونعلن للعالم أن نقابة “اتحاد كتاب مصر” اقتصت لنفسها، لأنها عصيةٌٌ على الكسر، قويةٌٌ بأبنائها المخلصين. طاهرةٌ في حضورها وسمعتها وتاريخها وعضوياتها..
عاشت النقابة شامخة بأبنائها، وعاشت مصر منارة لا تنطفئ للفكر والحرية، وللأدب والأدباء.
السيدات والسادة
يقول ابن عطاء الله السكندري
قد يدرك المقام من أشرف عليه، وقد يدركه من كان فيه، وهذا ملتبس إلا على صاحب بصيرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. علاء عبد الهادي


تعليقات