كيف استقبلت زوجة صالح الجعفراوي خبر اغتياله؟
في مساءٍ مثقلٍ بالدخان والدموع، أُعلِن عن استشهاد الصحفي الفلسطيني صالح عامر فؤاد الجعفراوي، أحد أبرز الأصوات التي وثّقت مأساة غزة بعدسته وكلماته، في 12 أكتوبر 2025، عن عمر ناهز الثامنة والعشرين. برحيله، فقدت فلسطين أحد أكثر وجوهها الإعلامية تأثيرًا خلال سنوات الحرب والإبادة الممتدة منذ 2023، وهو الذي تحوّل من شابٍّ يحلم بالعدالة إلى رمزٍ للمقاومة الإنسانية بالصورة والكلمة.
وُلد صالح في 22 نوفمبر 1997 بمدينة غزة، وسط عائلة فلسطينية متواضعة الحال، ربّته على الصبر والإيمان والعطاء. أتمّ تعليمه في مدارس القطاع، وتخرّج في الجامعة الإسلامية بغزة عام 2019 حاملاً شهادة البكالوريوس في الصحافة والإعلام، ليبدأ بعدها مشواره المهني كمصور وصحفي حر، يجوب الأزقة المهدمة ويوثق الحياة تحت الحصار. منذ ذلك الوقت، لم يكن مجرد ناقل خبر، بل شاهدًا على تفاصيل الألم، ومترجمًا لصوت من لا صوت لهم.
خلال عدوان 2023، لمع نجمه وسط نيران الحرب، حين بثّ للعالم صور الأطفال والبيوت المنكوبة والعيون التي تبحث عن مأوى. بعدسته، تحوّل الحزن إلى شهادة، والصورة إلى وثيقةٍ لا يمكن محوها. لم تكن شهرته سهلة؛ إذ تعرّض لحملات تشويه وتحريض من الإعلام الإسرائيلي الذي وصفه بأنه “يستغل المآسي”، بينما رأى فيه الفلسطينيون والعرب ضمير العدسة الحرة التي فضحت جرائم الاحتلال. ورغم التهديدات ومحاولات استهدافه، واصل عمله بلا خوف، مردّدًا في أحد مقاطعه الشهيرة: “الكاميرا ليست سلاحًا، لكنها أحيانًا أقوى من الرصاص.”
نال صالح ملايين المتابعين عبر منصات التواصل، وتحوّلت مقاطعه إلى صرخات عالمية للعدالة. أحد فيديوهاته تجاوز 51 مليون مشاهدة، وشارك في حملات إنسانية كبرى، أبرزها حملة إعادة بناء مستشفى النصر للأطفال، التي جمعت أكثر من مليوني دولار خلال ست ساعات فقط. لكن خلف هذا الحضور الرقمي الكبير، كان يعيش حياة بسيطة، أقرب إلى الناس منها إلى النجومية.
في حياته الشخصية، اتسم صالح بالتحفظ والخصوصية، نادرًا ما تحدث عن عائلته أو ارتباطاته. ورغم الشائعات التي لاحقته حول زواجه، لم يُؤكَّد أي منها رسميًا، إذ كان يعتبر حياته الخاصة “مساحة مقدسة لا تخصّ سوى العائلة”. تحدث كثيرًا عن والدته التي أصيبت بالسرطان عام 2024، وظهر في مقطع مؤثر يرافقها إلى العلاج، واصفًا إياها بأنها “قلب غزة الذي لا يُقهر”. لم يُعرف له إخوة أو أبناء علنًا، لكنه كان يصف كل طفل ناجٍ من القصف بأنه “ابني الصغير”.
استُشهد الجعفراوي أثناء اشتباكات مسلحة في حي الصبرة بمدينة غزة بين أجهزة أمنية فلسطينية ومجموعات مسلحة، وفق بيان وزارة الداخلية. لم يكن يحمل سلاحًا، بل كان يحمل كاميرته، التي وُجدت بجانبه مضرّجة بالغبار والدم. هكذا انتهت حياة الشاب الذي عاش يروي حكاية غزة، ليرحل وهو جزء منها.


تعليقات